حكايات «قراقوش» تفتق الكروش
[حكايات «قراقوش» تفتق الكروش] Arfaj555@yahoo.com السَّفَر قِطْعَةٌ مِن النُّور والإسفَار، لذَلك عِندَما تُحلِّل كَلِمَات: «سَفَرَ، أَسْفَرَ، يُسَافِرُ، إِسْفَارٌ، مُسْفِرٌ»؛ ستَجد أَنَّها كُلّها تَدلُّ عَلَى الإضَاءة والتَّنوير، ومِن هُنَاك جَاءَت أَهميَّة السَّفَر؛ لأَنَّه يُنير دَهَاليز مَظلمةٍ مِن العَقْل، لَم يَكُن الذِّهن يُدرك وجُودهَا؛ قَبل التِّرحَال والأَسْفَار..! سَافَرتُ مَرَّةً إلَى مِصر، وسَكنتُ فِي شَارع يُسمَّى «قراقوش»، هَذا الاسم لَم أَسمَع بِهِ مِن قَبْل، وبوَصفي عَالِماً صَغيراً، أنَّبتُ ذَاتِي، إذْ كَيف لَا أَعرف هَذا الاسم مُسبَقًا؟، فذَهبْتُ فِي نَفس ذَلك اليَوم إلَى مَكتبَةٍ، لأُزيح بُقعة الجَهل التي فِي رَأسي عَن «قَرَاقُوش»، وبَدأتُ أَبحَث عَنه فِي المَرَاجِع، لأَكتَشف أَنَّه رَجُلٌ جَديرٌ بالدِّرَاسَة والتَّحرير، وإليكُم شَيئًا مِن سِيرته: لقَد كَان «بهاء الدين قراقوش»؛ قَائِدًا تُركيًّا فِي جيش «صلاح الدين الأيوبي»، وكَان يَتَّصف هَذا الأَعجَمي بصِفاتٍ غَريبَة، بَل ومُتنَاقضة، ويُصَادِم بَعضهَا بَعضًا، فهو بَين القَسوَة والعَدل، والذَّكَاء والبَلَادة، وغَرَابة الأَطوَار وعَاديهَا، حَتَّى نُسِجَ حَوله الكَثير مِن النَّوادِر، وأَصبَح النَّاس مُنذ ذَلك اليَوم إلَى يَومِنَا هَذا؛ يُشبِّهون أَي حُكم ظَالِم، أَو غَريب الأَطوَار بحُكم قراقوش.. وإليكُم بَعض أَحكَامه: جَاء رَجُلٌ إلَى قراقوش، يَشكو لَه أَنَّ بَعض اللّصُوص قَد سَرقوا دَاره، فسَألَه: هَل هُنَاك بَاب خَاص يَقفل الحَارَة التي تَقطنهَا؟، فأَجَاب الرَّجُل: بِنَعم، فأَمَرَ قراقوش أَنْ يَخلَعوا هَذا البَاب، ويَأتوا بِهِ إِليهِ، ولَمَّا أَحضَروا البَاب، أَمَرَ أَنْ يَسُوقُوا إِليهِ جَميع سُكَّان الحَارَة، وفِي حَضرة هَؤلاء، اقتَرَب قراقوش مِن البَاب، وكَلَّمه هَمْساً، ثُمَّ التَفَتَ إلَى الجَميع وقَال: لقَد سَألتُ هَذا البَاب، فأَجَابَني أَنَّ للسَّارِق رِيشَة فَوق رَأسه.. وكَان أَنْ رَفَعَ أَحدُهم يَده فَوق رَأسه، ليَتلمَّس مَوضع الرِّيشة، فقَبَضَ عَليه قراقوش، وأَمَر بضَربه، حَتَّى اعتَرفَ بالسَّرِقَة..! وجَاء رَجُلٌ آَخَر إلَى هَذا القراقوش، شَاكياً لَه رَجُلين؛ قَامَا بحَلْق لِحيته عُنوةً، فأَمَر بحَبسهمَا؛ حَتَّى تَعود لِحية الرَّجُل إلَى مَا كَانَت عَليهِ..! أَكثَر مِن ذَلك، جَاء رَجُلٌ «دَائِن» يَشكو «مَدينه» لقراقوش؛ لأَنَّه لَا يَقوم بدَفع مَا اقتَرضه، فاحتَجّ المَدين بأَنَّه فَقير، ولَكنَّه كُلَّما جَمعَ لصَاحب الدَّين شَيئاً مِن المَال، وذَهَبَ ليَردّه إِليهِ، لَم يَجده، فإذَا مَا أَتَى إِليهِ الدَّائِن، وطَالبه بدَينهِ، كَان الرَّجُل قَد صَرف مَا جَمعَه مِن مَالٍ، وإزَاء هَذَا، حَكم قراقوش بأنْ يَسجنوا الدَّائِن، حَتَّى يَتمكَّن مَدينه مِن العثُور عَليهِ؛ إذَا مَا أَرَاد أَنْ يَردّ لَه مَاله، فلَم يَتردَّد الدَّائِن مِن أَنْ يَتنَازَل عَن دَينه..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي الإشَارَة إلَى أَنَّ قراقوش، وبحُكم مَا لَه مِن هَالةٍ وطَالَة، وأَحوَالٍ وأَحكَام، وعَجَائِب وغَرَائِب، قَد أَلَّف عَنه الأَديب «ابن مماتي»؛ كِتَاباً بَارِزاً كَبيراً فِي الأَدَب العَربي، يُعدُّ مِن أَبرَز الكُتب التي كُتِبَت فِي الأَدَبِ السَّاخِر، يَحمل عِنوَان: «الفَاشُوش فِي أَحكَام قَرَاقُوش».
©