يوميات متوثِّبات!!
حِينَ تَجد اليَوميَّات مِسَاحَة للانطلَاق؛ تُذهلني بفرَادة تَنوُّعهَا، وغَزَارة أَفكَارهَا، لِذَا أَحببتُ أَنْ أُشَارِك القُرَّاء والقَارِئَات الكِرَام؛ هَذه الدَّهشَة، لَعلَّها تَكون رَافِدًا مَعرفيًّا للزَّاوية.. وهَذا جَديدهَا: (الأحد): الأَوهَام لَا حدُود لَهَا، وأَحيَانًا يَلتَبس الأَمْر عَلى أَصحَاب القِرَاءَات العُجلَى، فيَرسخ الخَيَال فِي أَذهَانِنَا، ويَنتَفي الوَاقِع أَمَامنا، لِذَا عَلينَا أَنْ نُركِّز زَوَايَا النَّظَر - دَائِمًا - لاكتشَاف البُعد الغَائِب، حَتَّى لَا تَنطَبق عَلينَا فَلسَفة الزَّعيم السِّيَاسِي «توماس هاردي» التي تَقول: (هُنَاك حَالَة أَسوَأ مِن العَمَى، وهي رُؤية شَيء لَيس لَه وجُود)..! (الاثنين): العُقلاء لَا يُجيدُون فَقَط اختيَار المَوضُوع؛ الذي يُنَاقِشُون فِيه خصُومهم، لاستدرَاجهم إلَى المَنَاطِق التي يُتقنون فَنّ المُنَاورَة فِيهَا، بَل يَهمّهم فِي المَقَام الأوَّل؛ أَنْ يَكون الطَّرف الآخَر كُفؤًا للنِّقَاش، والأَديب السَّاخِر «برنارد شو»، مِمَّن يَبرَعون فِي انتقَاء خصُومهم لحَلَبة النِّقَاش، فقَد حَذَّر مِن خَوضِ أَي نِقَاش؛ مَع العُشَّاق والمُتعصّبين، قَائِلاً: (لَا تُنَاقِش عَاشِقًا ولَا مُتعصِّبًا، فالأوّل يَحمل قَلبًا أَعمَى، والثَّاني يَحمل عَقلاً مُغلَق)..! (الثلاثاء): تتّهمُ الكَثير مِن القَارِئَات هَذه اليَوميَّات؛ بالتَّحيُّز ضِدّ النِّسَاء، لِذَا يُحَاول عَرّابها أَنْ يَحتَفي بأَي دَليل يُثبت العَكْس، مِثل هَذه الفِكرَة التي طَرَحَتْهَا الأَديبَة «إيلين بوسلر»، مُتّهِمَة فِيهَا الرِّجَال بإشعَال الحرُوب، حَيثُ تَقول أُختنا «إيلين»: (عِندَما تَكتئِب النِّسَاء؛ فإنَّهُنَّ يَأكُلن أَو يَذهَبْن للتَّسوُّق، أَمَّا الرِّجَال، فإنَّهم يَعتدون عَلى بَلدٍ آخَر، وهَذه طَريقَة مُختَلِفَة تَمَامًا فِي التَّفكير)..! (الأربعاء): التَّاريخ لَم يَعُد يَكتبه المُنتَصر فَقَط، بَل يَرسمه ويُصوِّره كَمَا يَشَاء، ويُلبسه أَي لَون يَختَاره، وكُلَّما كَان التَّاريخ دَمويًّا؛ زَاد الوَلَع باللّون الأَحمَر، باعتبَاره مُوضة لَا تَسرِي عَليهَا سُنّة التَّقَادُم، وقَد انتبَه أَحد الفَلَاسِفَة إلَى هَذا التَّطويع القَسري للتَّاريخ، فقَال: (كُلَّما كَانت أَكَاذيب النَّاس؛ أَكبَر وأَكثَر أَذىً وشَرًّا، كُلَّما كَثُر تَمجيدهم وإجلَالهم؛ مِن قِبَل الأَجيَال التَّالية)..! (الخميس): مُنتجَات الأَكَاذيب، مِن البَضَائِع الرَّائِجَة، لأَنَّها لَا تَلتَزم بتَاريخ الإنتَاج، ولَا بتَاريخ الانتهَاء، وإنْ وُجِدَ مَا يَستَدعي ذَلك، فلَا حَرَج مِن إنتَاج كذبَة صَغيرة، ستَضيع لَا مَحَالَة فِي خِضَمّ الأَكَاذيب الكَبيرَة، التي تَعجّ بِهَا أَسوَاق التَّدليس، وقَد لَخّص هَذه الفِكرة الأَديب «أحمد خالد توفيق» - رحمه الله- قَائِلاً: (النَّاس مُولعَة بأَنْ تَنخَدع حَقًّا، وكُلَّما تَضخَّمت الكذبَة كَان تَصديقهَا أَسهَل)..! (الجمعة): رُبَّما يَعود سَبَب تَوطين آفة الكذب؛ إلَى انتشَار آفَات أُخرَى أَكثَر فَتكًا بالحَقَائِق التَّاريخيَّة، مِثل آفة النِّفَاق، وتَتّفق مَع هَذه الفِكرَة الأَديبَة «تينيسي ويليامز»، حَيثُ تَقول: (الشّيء الوَحيد الأَسوَأ مِن الكَذَّاب، هو الكَذَّاب المُنَافِق)..! (السبت): البَشَر أَكثَر المَخلُوقَات عَدَاءً لبَعضهم، فهُم يَستَمتعون باستعبَاد بَعضهم بطَريقةٍ سَادية، وهَذا الأَمْر دَفع الشَّاعر «محمود درويش»؛ لصِيَاغة مَفهومه الخَاص للحُرّية، حَيثُ يَقول: (حُرّيتي أَنْ أَكُون كَمَا لَا يُريدون لِي أَن أَكون)..!!
©