مرونة الآراء من شِيَم العقلاء
[مرونة الآراء من شِيَم العقلاء] Arfaj555@yahoo.com انتَشرَت فِي الآَوِنَة الأَخيرَة ظَاهِرَة النَّبش فِي تَاريخ الآَخَرِين، ومُحَاولة الإسَاءَة لَهُم؛ مِن خِلال تَتبُّع زَلاّتهم وآرَائهم، التي قَد يَكون تَجَاوزوهَا.. ومَقالنَا اليَوم، سيَتنَاول هَذه الظَّاهِرَة، التي يَكثُرُ فِيهَا الكَلَام، وتَتخلَّف فِيهَا الآرَاء..! فِي كِتَابَات النَّاقِد «محمد عابد الجابر»؛ مُصطلَح يُسمِّيه «التِّرحَال الثَّقَافِي»، ويَعني بذَلك أَنَّ الإنسَانَ القَارئ، كَائِن يَنمُو يَومًا بَعد يَوم، وتَتغيَّر قَنَاعَاته وفقًا لهَذا النِّمو، ولَا يُعتبَر هَذا شَكلًا مِن أَشكَال التَّناقُض؛ أَو التَّلوُّن، بَل هو تَطوُّر وتَراجُع طَبيعي؛ عَن فِكرَةٍ ظَهر ضعفهَا، واستبدَالهَا بفِكرَةٍ جَديدَة، أَكثَرُ وَجَاهَةً وإقنَاعًا.. وحَتَّى نقرن المَقَال بالدَّليل الفَعَّال، تَأمَّلوا هَذا المِثَال: كَان الإمَام الشَّافعي -رَحمه الله- يَعيش فِي العِراق، ولَه مَذهب مَعروف بِهِ، ثُمَّ انتَقَلَ بَعد سَنوَاتٍ إلَى مِصر، فغَيَّر أَغلَب مَعالِم مَذهبه، ولَم يُحسَب ذَلك تَناقُضًا أَو تَلوُّنًا، بَل كَان تَراجُعًا وتَجديدًا واتّسَاعًا فِي الرّؤيَة، وكُلّنا نَحفظ مَقولة الشَّافعي الرَّائِعَة: (رَأيي صَوابٌ يَحتَمل الخَطَأ، ورَأيُ غَيري خَطَأ يَحتَمل الصَّوَاب)..! أَكثَر مِن ذَلك، مَن يَتصفَّح مَذهب الإمَام أَحمَد، يَجد أَنَّ لَه فِي بَعض المَسَائِل؛ ثَلاثة أَو أَربعَة أَو خَمسة أَقوَال، وهَذا يَعنِي أَنَّ الفِقه مَرنٌ، والحيَاة مَرِنَة، والآرَاء قَد تُستبدَل بآرَاء أَفضَل مِنهَا؛ إذَا ظَهر الدَّليل عَلَى صحّة الفِكرَة..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي القَول: إنَّ مَن أَعطَاه الله شَيئًا مِن الحِكمَة، يُفرِّق بَين التَّلوُّن الذي يُقصَد بِهِ النِّفَاق، وبَين التَّرَاجُع الذي يُقصَد بِهِ البَحث عَن الحَقِّ، فمِن شرُوط التَّراجُع إعلَان ذَلك، والاعترَاف أَمَام المَلأ، وقَد كَان فُقهَاؤنا إذَا غَيَّر أَحدٌ مِنهم رَأيه، بَعث مُنَادٍ فِي الأسوَاق -وكَأنَّه إذَاعَة مُتنقِّلَة- ليُخبِر النَّاس أَنَّه غَيَّر رَأيه الفُلاني، فِي المَسأَلَة الفُلَانيَّة..!!
©