لا قانون ولا عدل.. في توزيع ثروات العقل!
قَبْل (60) عَامًا، قَرَّرَت الهَيئَات والمُؤسَّسات الدَّوليَّة؛ التَّابِعَة لمُنظَّمة الصحَّة العَالميَّة، استبدَال مُصطلح «مُستشفَى الأَمرَاض العَقليَّة»، بمُصطلَح «مُستشفَى الأَمرَاض النَّفسيَّة»، ولَم يَكُن تَأنيب الضَّمير؛ هو الدَّافِع إلَى الإقدَام عَلَى تِلك الخُطوَة، بَل لفَضِّ الاشتبَاك بَين العَقْل والجَهل، ومَا بَينهمَا مِن جنُونٍ وفنُون..! مِن المُتّفق عَليه أَنَّ الجَهل لَا حدُود لَه، ولَكن هَل هُنَاك حدُود للعَقل؟.. يُجيب عَن هَذا السُّؤال القَائد الفِرنسي «نابليون بونابرت» بقَوله: (لَيس هُنَاك حدُود للعَقل يَقف عِندَها؛ سِوَى تِلك التي اقتنعنَا بوجُودهَا)..! ولَم يَكتَشف الأَطبَّاء إلَّا فِي السَّنوَات الأَخيرَة؛ ارتبَاط الصّحة العضويَّة بالصّحة النَّفسيَّة، أَو العَقليَّة، رَغم أَنَّ الفَيلسُوف «أَفلَاطون» سَبقَهم إلَى ذَلك -قَبل آلَاف السِّنين- فقَال: (إنَّ أَكبَر الأَخطَاء؛ مُعالَجة الجَسَد دُون العَقل، وهُمَا وَجهَان لعُملةٍ وَاحِدَة).. فتَشغيل مَكَائِن ومُحرِّكات العَقْل؛ أَكثَر تَعقيدًا مِمَّا يَظنُّ البَعض، لِذَلك لَيس هُنَاك مَن يُبسِّط هَذه المَسأَلَة؛ أَفضَل مِن «آينشتاين»- وهو مِن أَذكَى 10 أَشخَاص عَاشُوا فِي القَرْن المَاضي-، حَيثُ يَقول: (قَليلون هُم مَن يَرون بعيونِهم، ويُفكِّرون بعقُولِهم)..! أَكثَر مِن ذَلك، فإنَّ العَقْل لَا يُعتَمَد عَليهِ دَائِمًا، فهُنَاك الذَّكَاء المُدمِّر، كالذي يَتمتَّع بِهِ مُخترع القُنبلَة النَّوويَّة، والأَطبَّاء المُجرمين؛ الذين يَسرقون الأَعضَاء البَشريَّة، لذَلك يَقول عِملَاق صِنَاعة السَّيَارات الأَمريكيَّة «هنري فورد»: (إنَّ العَقلَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَصنَع مِن الجَحيم نَعيمًا، ويَصنَع مِن النَّعيم جَحيمًا)..! مِن جِهتهِ يَقول «وليم جيمس»: (نَحنُ نَستَخدم 10% مِن قوَانَا العَقليَّة، فكَيف الحَال إذَا مَا استخدمنَا فَقط 20% مِنهَا؟).. فالنَّاس يَبخَلون عَلَى أَنفسِهم، مِن خِلال إهمَال كَوامِن العَقل الجَبّار، وعَدَم الاستفَادة مِن مَخزونهِ الهَائِل..! كَمَا أَنَّنَا لَاحظنَا مِن خِلَال قِرَاءتنَا أَنَّ العَقل كالجِسم، يَحتَاج إلَى مُمَارسة رِيَاضتهِ الخَاصَّة، ليَكون بكَامِل لِيَاقتهِ وجَاهزيّتهِ لأَي مُبَارَاةٍ فِكريَّة، وقَد حَدَّد أحَد الأُدبَاء ثَلَاثة أَنوَاع مِن الرِّيَاضَات الذِّهنيَّة، فقَال: (لَا يَنمُو العَقل إلَّا بثَلاث: إدَامة التَّفكير، ومُطَالعة كُتب المُفكّرين، واليَقظَة لتَجارُب الحَيَاة)..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: مِن الأَوهَام المعشّشة فِي رُؤوس العَامَّة والدَّهمَاء، أَنَّه مِن الطَّبيعي؛ أَنْ يَنفر العُقلَاء والفَلَاسِفَة والمُفكِّرين مِن النَّاس، ويَسكنوا رُؤوس الجِبَال، بَحثًا عَن التَّأمُّل والتَّفكُّر، لَكن الأَديب «جورج برنارد شو»، وَضَع الحرُوف تَحت النِّقَاط، ليَفصل فِي هَذه المَسأَلَة قَائِلًا: (الرَّجُل العَاقِل يُكيّف نَفسه مَع العَالَم، والرَّجُل المُتهوِّر يَصرُّ عَلَى مُحَاولاته؛ لكَي يَتكيَّف العَالَم مَعه، لذَلك يَعتَمد تَطوير العَالَم عَلَى الرَّجُل المُتهوِّر)..!!
©