ادعاء المرض.. له أكثر من غرض!
أُلَاحِظ أَنَّ كَثيراً مِن النَّاس؛ يَشعُر بأنَّه يَعيش عَلَى هَامِش الحَيَاة، وأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَه، لِذَا يُحَاول أَنْ يَستَدرج عَطف النَّاس، مِن خِلال إبدَاء أَدوَات الضَّعف، ومَظَاهِر المَرَض، ودَوَاعِي الاستعطَاف، وجَالِبَات الرَّحمَة لَه مِن النَّاس..! حَقًّا، إنَّني أُلَاحِظُ بَعض شَرَائِح المُجتَمع؛ تَدَّعي المَرَض، فِي مُحَاولةٍ مِنهَا إلَى لَفت أنظَار النَّاس، واسترعَاء انتبَاههم، وكُنتُ أَظنُّ أَنَّ هَذا الدَّاء، دَاءٌ جَديد، وأَنَّه مِن الأمُور المُستَحدَثَة فِي وَاقِعنَا المُعَاصِر، ولَكن بَعد المشوَار الطَّويل مَع القِرَاءَة، وَجدتُ أَنَّه دَاءٌ قَديم، وقَد ذَكره كَاتبنَا المِصري الكَبير «يحيى حقي» فِي كِتَابه: «كَنَّاسة الدُّكَّان»، قَبل أَكثَر مِن خَمسين سَنَة، حَيثُ يَقول: (وإذَا كُنتُ مِثلي لَا تُفسِّر المَرَض إلَّا بأنَّه فُرصَة بَديعَة؛ تُتيح لَك أَنْ تدلّع نَفسك، وتَتدلَّع عَلَى أَهلِك، تَقول كُلّ خَمس دَقَائِق: أَغلقوا النَّافِذَة، إذَا كَانَت مَفتُوحَة، أَو افتَحُوا النَّافِذَة، إذَا كَانت مُغلَقَة، وتَقول كُلّ سَاعَة: اعمَلُوا لِي كُوباً مِن اللَّيمون، وتَقول كُلّ سَاعتين: أَين البُودرة؟، غيّروا الفَانيلَة، ومِلَاية السِّرير، ووَش المَخدَّة. أَين الكُولونيَا؟، وتَقول سَاعة الغدَاء: أَين الدَّجَاجَة المَسلُوقَة، وإذَا حَلَّ العَشَاء تَقول: هَل اشتَريتُم التُّفَّاح..؟! وَجع الدِّمَاغ فُرصَة بَديعَة للهَرَب مِن كُلِّ شَيء، يَدعو إلَى وَجع الدِّمَاغ، فمَا تَطلّ مُشكِلَة برَأسهَا إلَّا قُلتَ: عَن إذنكُم، أَنَا تعبتُ قَليلاً، وأُريد أَنْ أَستَريح. نُلتَ مَا تُريد دُون لَومٍ أَو تَقريع، جَميع المَطَالِب المَاليَّة مُؤجَّلَة، هَمّها وَقَع عَلَى أَكتَاف غَيرك).. انتهى! بَعد هَذا أَقول: هَل رَأيتُم أَنَّ الكَاتِب -هُنَا- يَنصُّ عَلَى أَنَّ المَرَض؛ كَان فُرصَة لتَدليع الشَّخص لنَفسه، وتَدلّله عَلَى الآخَرين، ومُحَاولةً مِنه لاستجلَاب عَطْف مَن حَوله، مِن خِلال إملَاء الأَوامِر عَليهم، وجَلب انتبَاههم، وجَعلهم يَدورون فِي فلكهِ..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: أَيُّها النَّاس، اصنَعوا ذَوَاتكم، لتَكونُوا محور اهتمَام النَّاس، ولَكن لَيس عَن طَريق المَرَض، واستدرَار العَطف، بَل عَن طَريق الصّعود إلَى سُلّم النَّجَاح، مِن خِلال طِيب الإنتَاج، ورَوعة الأفعَال، وزِينة الأَعمَال..!!
©