image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

مَن لا يصلح لوطنه.. لا يصلح لأهله

أَصبَحَتْ الوَطنيَّة عِندَ البَعض؛ شِعَارًا يُرفَع، وأَدَاةً للافتِخَار، وعَصىً يَضرب بِهَا النَّاس بَعضهم بَعضًا، لهَذا السَّبَب ولغَيرهِ، دَعونَا نَستَطلع بَعض الآرَاء عَن الوَطن والوَطنيَّة، وكَيف يَفهمهَا الفَلَاسِفَة والحُكَمَاء والعُقَلَاء، لَعلَّها تُعدِّل مَفهوماً مَائِلاً، أَو تُصحِّح فِكراً خَاطِئاً..! يَقول الفَيلسوف «شيشرون»: (لَستُ آسِفاً إلَّا لأَنَّني، لَا أَملِكُ إلَّا حَيَاةٍ وَاحِدَة؛ أُضحِّي بِهَا فِي سَبيل الوَطَن)، وهَكَذا، تَمنَّى هَذا الفَيلسوف؛ أَنْ تَكون لَه أَكثَر مِن روحٍ، يَفدي بِهَا الوَطَن، فالدِّفَاع عَنه والقِتَال فِي سَبيل وِحدَتهِ، واستقلَالهِ، مِن الفَضَائِل التي تَطرحهَا وتُنَادي بِهَا كُلُّ شعُوب الأَرض..! فالوَطنيَّة مَفهومٌ رَاقٍ، ولَكنَّها -أَحيَاناً- تُستَخدم كآلةِ جَلْد، يُجلَد بِهَا البَعض، أَو يَحتَمي بِهَا مَن يُريدُون أَنْ يَخدمُوا أَهدَافهم الخَاصَّة، لِذَلك تَتحوَّل الوَطنيَّة مِن مَظلَّةٍ إلَى مَلاذ، وفِي ذَلك يَقول الأَديب «صمويل جونسون»: (الوَطنيَّة هي المَلَاذ الأَخير لكُلِّ أَحَدٍ)..! مِن جِهتهِ يَقول الفَيلسوف «جورج برنارد شو»: (أَكْرَه إحسَاسِي بأَنِّي فِي مَوطني، عِندَما أَكُون خَارج البِلَاد).. لِذَا، عِندَما تُسَافِر؛ يَجب عَليكَ أَنْ تَستَفيد وتَتعلَّم مِن الأَشيَاء الجَميلَة، التي لَا تَجدهَا عَادةً فِي بَلدك، ولَا تَنقل ثَقَافتك إلَى البَلَد الذي تُسافِر إِليهِ..! أَكثَر مِن ذَلك، لَابدَّ أَنْ نَعلم أَنَّ الوَطنيَّة تَبدَأ مِن المَنزِل، والوَطَن مَنزِلٌ كَبير، وخَيرُ الشّعُوب مَن تَعتبر مَنَازلهَا أَوطَانهَا الصَّغيرَة، وأَوطَانهَا مَنَازلهَا الكَبيرَة، وقَد أَطرَبني الأَديب «أحمد بن نعمان» حِينَ قَال: (مَن لَا يصلح لأَهلهِ، لَا يصلح لوَطنهِ، ومَن لَا يصلح لوَطنهِ، لَا يصلح لأَهلهِ)..! فلَا تَعتَقد -عَزيزي القَارئ- أَنَّ الوَطَنَ مَفهومٌ حَديث، وكَلِمَةٌ طَارِئَة، بَل هو مَفهومٌ قَديم، وَرَدَ فِي بَعض العِبَارَات المَنسُوبَة للإمَام «علي بن أبي طالب» -كَرَّم الله وَجهه-، ومِن ذَلك؛ تَحذيره مِن أَنَّ الفَقْر -فِي الغَالِب- يُضْعِف الوَطنيَّة، حَيثُ قَال: (الفَقر فِي الوَطَن غُربَة، والغِنَى فِي الغُربَة وَطَن).. ورَغم ذَلك، أَرَى أَنَّ الوَطنيَّة مَفهومٌ رَائِع وبَديع، ولَكن يَجب أَنْ لَا يَجعلنَا نَغضُّ أَبصَارنا؛ عَن تِلك الأَخطَاء المَوجُودَة فِي بَعض مُؤسَّسَات الوَطَن، بَل يَجب أَنْ نَطرح الأَخطَاء بكُلِّ أَدَبٍ، فِي مُحَاولَة لإصلَاحها، فالنَّقد لَا يُضعف الوَطنيَّة، بَل يُقوّيهَا، وهَذا مَا أَكَّده الزَّعيم السِّيَاسِي الأَمريكي «مالكوم إكس» حِينَ قَال: (عَلَى الوَطنيَّة أَنْ لَا تُغمض أَعيننَا عَلَى رُؤيَةِ الحَقيقَة، فالخَطَأ خَطَأ، بِغَضِّ النَّظَر عَمَّن يَفعله أَو يَقوله)..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي القَول: الوَطنيَّة، هَذا المَفهوم الذي حَارَ النَّاس فِيهِ، كَيفَ نُعرّفه؟، لَن أَجتَهد مِن عِنديَّاتي، بَل سأَترُك الإجَابَة لِمَن هو أَعلَم مِنِّي، وهو الأَديب «جورج برنارد شو»، حَيثُ يَقول: (الوَطنيَّة هي القَنَاعَة؛ بأَنَّ هَذا البَلَد هو أَعلَى مَنزِلَة؛ مِن جَميع البُلدَان الأُخرَى).

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق