لا أخفيك.. هذه بعض معاني «الله يهديك» | أحمد عبد الرحمن العرفج
اللُّغةُ كَائنٌ لَفظيٌّ يَكشفُ مَا تَحته.. إنَّهَا تَمَامًا مِثلُ ذَلكَ اللِّبَاسِ الشفَّافِ؛ الّذي يُظهرُ تَضاريسَ ومَعَالِمَ المَلَابسِ الدَّاخليَّةِ؛ مَتَى لَبسَهَا الإنسَانُ..! ومِن بَوَّابةِ اللُّغةِ هَذه؛ التي تُشبهُ المَرأةَ النمَّامةَ، سأَدخُلُ كِتَابةَ اليَومِ؛ التي تَتنَاولُ قَضيَّةَ المَعنَى الظَّاهِرِ، والمَعنَى المَخفِيّ، لبَعضِ الجُمَلِ التي نَسمعُهَا.. والمَعنَى يَتحدَّدُ مِن نَبرةِ الصَّوتِ، ومِن السِّياقِ الذي تَرِدْ فِيهِ الجُمْلَةُ.. وحتَّى لا نَسترسِلَ في التَّنظيرِ والأقوَالِ، دَعونَا نَطرحُ الأمثَالَ: يَقولُ صَديقِي الكَاتِبُ الرِّياضِيُّ "عاصم عصام الدين": (يَا أبَا سُفيان، أنَا أَكْرَهُ جُملةَ "اللهُ يهديكَ"؛ إذَا جَاءتْ في مَوَاضعَ مُعيَّنةٍ، وحِينَ قَالَ "عاصمُ" هَذه العِبَارةَ، اعتَرَضَ بَعضُ الحضُورِ قَائلينَ لَهُ: "مَن مِنَّا يَكرهُ الهِدَايَةَ"؟)..! وفِي أثنَاءِ هَذَا التَّداخُلِ بَينَ "عاصم" والحضُورِ، رَاقَ لِي أنْ أَتفلسفَ قَليلًا، وأُظهرَ بَعضَ "الهيَاطِ" الذي عِندِي، فقُلتُ: يَا قَوم كَلامُ صَاحبِنَا "عاصم"؛ لَا يَخلُو مِن حَقيقةٍ ووَاقِعٍ، أمَّا الحَقيقَةُ، فهي أنَّ هَذه العِبَارةَ -أحيَانًا- تُقالُ عَلَى سَبيلِ التَّقريعِ والتَّوبيخِ، أمَّا الوَاقِعُ، فهو أنَّ وَقعَهَا مُؤلِمٌ عَلى المُتلقِّي أو السَّامِعِ، وتَعالُوا نَشرح كَيفَ هِي مُؤلِمَةٌ: مَثلًا تَقولُ لأحدِهِم أنَّكَ سَافرتَ إلَى البَلَدِ الفُلانيِّ، وفَجأةً يَعترضُ عَليكَ آخَرُ قَائِلًا: (اللهُ يهديكَ بَسْ، لَيتكَ وَفّرتَ فلُوسكَ؛ ولَمْ تُنفقْهَا في السَّفرِ)..! إنَّ عِبَارةَ "اللهُ يهديكَ" في هَذا السِّيَاقِ؛ هي جُزءٌ مِن التَّقريعِ المُبطَّنِ، الذي يَرتدِي في ظَاهرهِ لِبَاسَ الدَّعوَةِ بالهدَايةِ..! ولَو أَردنَا مِثالًا آخَرَ سنَقولُ عِبَارة "اللهُ يسامحُكَ"، تِلكَ العِبَارةُ التي نُوبَّخُ بِهَا -أحيَانًا- مِن دُونِ جُرمٍ اقترفنَاهُ، فمَثلًا يَتَّصلُ عَليكَ أحدُهُم وَقتَ الظَّهيرةِ؛ الذي مِن المُتعَارفِ عَليهِ عَالميًّا أنَّهُ وَقتُ الرَّاحَةِ، ثُمَّ تُعاودُ الاتِّصالَ بِهِ عَصرًا قَائلًا لَهُ: أعتَذرُ لعَدَمِ رَدِّي، لأنِّي كُنتُ نَائمًا، فيَردُّ عَليكَ مُبَاشرةً قَائلًا: "اللهُ يسامحُكَ بَس"..! ولا يخفَى عَليكم أنَّ عِبَارةَ "اللهُ يسامحُكَ"؛ تُوحي بأنَّك مُخطئٌ، لذَلكَ يَدعُو لَكَ الآخَرُ بقَولِهِ: "اللهُ يسامحُكَ"، طَالبًا لَكَ مِن اللهِ السَّمَاحَ والمَغفِرَةَ..! حَسنًا.. مَاذَا بَقِي؟! بَقِي أنْ تُراقبُوا جُمَلَكم ودَعَوَاتِكم، فقَدْ تَكونُ كَلامًا غَيرَ مُنَاسبٍ، في وَقتٍ غَيرِ مُنَاسبٍ..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©