أنا من المحظوظين بأساتذتي المكفوفين | أحمد عبد الرحمن العرفج
تَشرَّفتُ بِأَن أكُون أَحَد المُشَاركين؛ في الحَملة التَّوعويّة الثَّالِثَة، التي نَظَّمتها وزَارة الحَرس الوَطني - القِطَاع الغَربي تَحت عِنوَان: (إعَاقتي سِرّ انطلَاقتي)، وكَانَت "وُريقَة" عَملي تَحمل عِنوَان: (مَاذا تَعلّمتُ مِن المَكفوفين)؟ في تِلك الوُريقَة أكَّدتُ عَلَى أنَّه يَجب عَلينا نَحنُ -ذوي الاحتيَاجَات العَامَّة- أنْ نَمنَح أحبّاءنا "ذوي الاحتيَاجَات الخَاصَّة" حقُوقهم؛ مِن غَير إشعَارهم بالشَّفقة عَليهم، فهُم لَيسُوا عِبئًا عَلى أَحَد، بفَضْل مَا يَملكونه مِن إرَادَة تُفتِّت الجِبَال، وقَد سَردتُ صورًا كَثيرة للمزَايَا والإيجَابيّات التي تَعلّمتُها مِن المَكفوفين..! لقَد تَعلَّمتُ مِن عمّي الكَفيف "حسين العرفج" -رَحمه الله- الصّبر وتَحمُّل المَشاق، وعلّمني أيضًا كَيف أقرَأ بأُذني، حَيثُ فَتَح لِي مَكتبته الصّوتيّة؛ التي تَضمّ مِئَات الكُتب، وهَكَذا قَرأتُ أهم كُتُب التُّرَاث بأُذنَيَّ قَبل عَينَيَّ..! هَذا عَلى مستوَى "النَّشْأة".. وعَلى مستوَى الدِّراسَة، فقَد كُنتُ مِن المَحظُوظين؛ بالتّتلمذ عَلى يَدي الشَّيخ الكَفيف "عبدالعزيز المساعد" -رَحمه الله-، الذي كَان يُعلّمنا الفِقه "عَلى أصُوله"؛ حِين كُنّا طُلاَّبًا في المَعهد العِلمي بعُـنيزة -بضَمّ العين-، كَما أنَّه هو الذي اقترَحَ عَليَّ جَمْع الفَتَاوَى الغَريبَة في كِتَاب، وقَد نَفَّذتُ اقترَاحه فِيما بَعد، فأصدَرتُ كِتَاب "الغُثَاء الأحوَى؛ في لَمّ غَرائِب وعَجَائِب وطَرائِف الفتوَى"..! أمَّا المستوَى الثَّالِث -وهو المستوَى الثَّقَافي-، فأنَا مَدين لمَجموعة كَبيرة مِن المَكفوفين، الذين عَلّموني -عَبر الكِتَاب- مِن أمثَال العَمّ "طه حسين"، وشَيخ المعرّة رَهين المَحبسين "أبوالعلاء المعرّي"، والشَّاعِر الذي فَتق المَعَاني، وأعنِي بِهِ "بشّار بن بُرد".. ومَن أرَاد أنْ يَعرف سِرّ إبدَاع المَكفوفين؛ فليَرجع إلَى كِتَاب "الصّورة الشِّعريّة عِند الشُّعرَاء العميَان"..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ نُشيد بـ"بَصيرة الأعمَى"، التي تُجنّبه السّقوط والزّلل، فهو مَثلاً -حَسب رَأي فَيلسوفنا "عبدالرحمن بن معمّر"- لَا يَقع في حُفرَة و"لَا بيّارة"، لأنَّه يَتلمّس مَواطئ قَدميه؛ قَبل كُلّ خطوَة يَخطوها، بَينما المُبصرون يَتعثّرون دَائمًا بأبسَط العَوائِق، ولا تزيد السَّقطَات خبرَاتهم في تَجنُّب الكوَارِث، بَل تَتوَالى عَليهم "المَطبّات"، التي تُرغمهم عَلى عَضّ ألسِنتهم مَرّة تلو الأخرَى..! وبَقي أيضًا؛ أنَّ المَكفوف أحسَن حَالاً مِنّا، لأنَّه لَا يَرَى مِقدَار القُبح؛ الذي يُؤذي عيوننا كُلّ يَوم.. كَما أنَّ المَكفوف "لَا يهشّ ولَا ينشّ" بعَصاه البيضَاء، لأنَّها عَصاة سَلام.. وللّه درّ الشَّاعِر "نزار قبّاني" حِين شَكّك بِعَمَى العمّ "طه حسين"، قَائلاً لَه: ارْم نَظَّارَتَيْكَ مَا أَنْتَ أَعْمَى إِنَّمَا نَحْنُ جَوْقَةُ العُمْيَانِ تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©