سرعة الاستجابة لعزاء الكتابة
يَومًا بَعد يَوم؛ تَزدَاد قَنَاعَتي ويَتورَّم إيمَاني؛ بأنَّ مُمَارسة الكِتَابة وتَعاطيها، هو شَكلٌ مِن أَشكَال العِلاج والاستطبَاب، ووَسيلَةٌ مِن وَسَائِل تَخفيف التَّوتُّر، وتَهدئة الأعصَاب.. وحَتَّى لَا يَكون الكَلَام ضَربًا مِن الهَواجِس والأَوهَام، دَعونَا نَضرب مِثالًا مِن آلَاف الأَمثِلَة، التي تُؤكِّد أَنَّ الكِتَابَة وَسيلَة نَاجِعَة؛ مِن وَسَائِل العِلَاج، وتَخفيف الآلَام..! مُعظمُنَا يَعرف الأَديبَة، الكَاتِبَة المَشهُورَة «إيزابيل الليندي»، التي تُعتَبَر مِن أَبرَز كَاتِبَات أَمريكَا اللَّاتينيَّة، وإليكُم قصّتها: كَانَت أُختنَا «إيزابيل»؛ تُدشِّن رِوَايَة جَديدَة لَهَا فِي برشلُونَة عَام 1991، وفِي تِلك الأَثنَاء، وَصلهَا خَبَر نَقل ابنتهَا إلَى المُستشفَى فِي مَدريد، تِلك الابنَة التي تَبلُغ مِن العُمر 27 عَامًا. لقَد أُصيبَت بتَشنُّجَات مُتتَاليَة، وغَيبوبَات مُتَتَابِعَة، حَتَّى فَارَقت الحيَاة، وهي بَين ذَراعي أُمّهَا، وآخِر جُملَة قَالتهَا: (إنَّني أُحبّك يَا أُمِّي)..! بَعد وَفَاة الابنَة باولا Paula ، كَان أَمَام وَالدتهَا ثَلاثة خيَارَات: إمَّا أَنْ تَنتَحر، وإمَّا تُقَاضي المُستشفَى الذي تَسبَّب فِي وَفَاةِ ابنتهَا الغَالية، وإمَّا تَكتُب كِتَابًا يُعالج جِرَاحهَا، ويُضمِّد أَوجَاعهَا، وتَنثُر فِي صَفحَاتهِ كُلّ أَحزَانهَا، ومِن بَين الخيَارَات الثَّلَاثَة، انتَصر مَنطِق العَقْل والفِكْر، وغَمسَت قَلمهَا فِي جِرَاحِهَا، ونَثرَتُهُ فِي كِتابٍ كَامِل، حَمَل اسم ابنتهَا «باولا»..! فِي بِدَاية الكِتَاب؛ قَالَت المُؤلِّفة: (أَخبَرُوني أَنَّها ستَفيقُ خِلَال أسبُوع أَو اثنَين، لَكنَّها الشّهُور مَرَّت ولَم تَفق، كَانَ قَدَرًا، وكَان حَظًّا عَاثِرًا. بَعد أَن أَبْلَغُوني، وَاصَلتُ الكِتَابَة، لَم يَكُن باستطَاعَتي أَنْ أَتوقَّف، ومَا كَان لِي أَنْ أَترُك الغَضَب ليُدمِّرني. كِتَاب «باولا»، هو الكِتَاب الذي دُرِّبتُ طُوَال حَيَاتِي عَلَى كِتَابته. لقَد جَاء مِن مَنطقة الأَحَاسيس العَميقَة. لَم يُولَد مِن عَقلِي، بَل وُلِدَ مِن رَحمي)..! إنَّ المُؤلِّفة القديرة «إيزابيل»؛ اتَّخَذَت الكِتَابَة كعِلَاج، وجَعلَت مَلايين القُرّاء يُشَاركونهَا الهمُوم، ويَتقَاسَمُون مَعهَا مَرَارة الأَلَم، وملُوحة الأَحزَان، وقَد تَعَامَلَت مَع مَأسَاتها بذَكَاء، إذْ وَزَّعت الحُزن -الذي يَعتَمِلُ دَاخِلهَا- عَلَى مَلَايين النَّاس، والحُزن -كَمَا تَعرفون- يَنطَبق عَليهِ مَفهوم: «إذَا عَمَّت هَانَت»، والوَجَع إذَا شَمِلَ الآخَرين؛ تَلَاشَى رُويدًا رُويدًا..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي أَنْ أُضيف وَصفَة كِتَابيَّة؛ لوَصفِة أُختنَا «إيزابيل» فِي نَاصِيَة تَقول: (الكِتَابَة مِثلهَا مِثل أَي مَوهبَة، أَو فَنٍّ مِن الفنُون التَّعبيريَّة. إنَّها تُعَالِج وتُدخل السّرُور عَلَى النَّفس، وتُشرح الصَّدر. مِثلهَا مِثل «الرَّسم» و«النَّحت»، و«العَزف عَلَى الآلَات المُوسيقيَّة»)..!!
©