عشق الممنوع غريزة في الجموع..! | أحمد عبد الرحمن العرفج
مِن جَمَاليّات كِتَاب "صيد الخَاطر"؛ للإمَام "ابن الجوزي"، أنَّه يَنْغَمس -أحيَانًا- في الجوَانب الفِكريّة، التي قَد يَظن البَعض أنَّها مِن مُحْدِثَات القَرن الحَادي والعشرين، ولَكن هَذا لَيس بصَحيح، لأنَّ كِتَاب "صيد الخَاطر" كَشف عَن أفكَار؛ يَظنّها النَّاس جَديدة وهي قَديمة، ومِن ذَلك مَا كَتَبه الشَّيخ الحَافِظ "ابن الجوزي"؛ في الخَاطِرة الـ23 تَحت عنوَان: "كُلّ مَمنوع مَرغوب"..! وحتَّى لَا أُطيل الكَلَام، سأَنقل لَكُم مَا قَاله "ابن الجوزي" بالحَرْف الوَاحِد، حَيثُ يَقول: (تَأمَّلتُ حِرص النَّفس عَلى مَا مُنعتْ مِنه، فرَأيتُ حِرصها يَزيد عَلى قَدر قوّة المَنع. ورَأيتُ أنَّ "آدم" -عَليه السَّلام- لَمَّا نُهي عَن الشّجرة حَرص عَليها؛ مَع كَثرة الأشجَار المُغنية عَنها. وفي الأمثَال: "المَرء حَريص عَلى مَا مُنع، وتَوّاق إلَى مَا لَم يَنل". ويُقال: "لَو أُمِر النَّاس بالجوع لصَبروا، ولَو نُهوا عَن تَفتيت البعر لرَغبوا فِيه". وقَالوا: مَا نُهينا عَنه إلاَّ لشَيء. وقَد قِيل: أَحبُّ شَيء إلَى الإنسَان مَا مُنعَ)..! بالله عَليكم، تَأمّلوا هَذا النَّصّ ولُغته، كَأنَّه كُتب بالأَمس.. تَأمّلوا جيّدًا كَيف حَلّل "ابن الجوزي"؛ بَحْث النَّاس عَن المَرغوب، وكَيف استَدلّ بأَبينا "آدم"، ثُمَّ كَيف حَلّل أسبَاب البَحث عَن المَمنوع دَاخل النَّفس الإنسَانيّة..! إنَّني هُنَا أَتمنَّى أنْ يَأخذ النَّاس هَذه الكِتَابَة -وأعني كِتَابة بَحث النَّاس عَن المَمنوع- في الحُسبَان، لنُقلِّل مِن لُغة النَّهي والمَنْع، فهُنَاك فَرقٌ كَبيرٌ بَين مَن يَقول: "لَا تَشرب المَاء البَارد"، وبَين مَن يَقول: "اشرَب المَاء الصّحي"، لأنَّ النَّاس جُبلوا بالفِطرة عَلَى مَا مُنعوا مِنه، اقتدَاءً بأَبينا "آدم"، الذي يُعتبر أوّل مَن أَكَّد قَاعدة: "كُلّ مَمنوع مَرغوب"..! ويَكفي أنْ نَستَشهد بحَالة تَعيش بَيننا دَائمًا، وهي أنَّ بَعض أصحَاب الكُتب الرَّديئَة والمُتوَاضعة؛ يَشيع بَين النَّاس أنَّ كِتابه مَمنوع، وهو لَيس كَذلك، وإنَّما يُروّج لمِثل هَذه الفِكْرَة، حتَّى يَستغل حُبّ النَّفس البَشريّة للبَحث عَن المَمنُوع..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنَّني أتمنَّى أن تَمنع الجريدَة كِتَابتي هَذه، حتَّى يَعتقد النَّاس بأنَّني كَتبتُ مَقَالاً خَطيرًا، ويُقبلوا عَلى البَحث عَنه بَين صَفحَات الإنترنت..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©