صورة موجزة.. خير من قصيدة منجزة
كَان العَرَب يَكتبُون القَصَائِد الطوَال، حَتَّى يُحَاول الوَاحِد مِنهم؛ أَنْ يَصِف لَكَ مَشهداً شِعريًّا، لَم تَره عَينك..! لقَد كَان الوَاحِد مِنهم؛ يَكتُب أَكثَر مِن عِشرين بَيتاً، مِن أَجل أَنْ يَصف شَعر حَبيبته، أَو عَينيهَا أَو خدَّيهَا، أَو قَوَامهَا أَو تَثنِّيهَا، أَو حَتَّى مَشيتهَا، ولَكن الآن يُمكن مِن خِلال كَامِيرَا بَسيطَة، أَو آلة تَصوير يَسيرَة، أَنْ تُحيط بكُلِّ هَذَا وأَكثَر؛ مِن تِلك الدِّقَّة التي كَان يَقولهَا الشَّاعِر، الذي نُجزم بأنَّ الكَذِب حَليفه، وقَد قَالوا: «أَعذب الشِّعر أَكذَبه»..! فِي عَصر الكَاميرَات الرَّقميَّة المُخيفَة، التي تُصوِّر الجَسَد ومَا يَحويه بكُلِّ دِقَّة، لَا أَظنّنا بحَاجةٍ إلَى بَلَاغة «المُتنبِّي»، وغَزليَّات «عنترة»، ومجُون «امرئ القيس»، لأنَّ بَلَاغة الكَاميرا والتَّصوير؛ أَكثَر دِقَّة مِن بَلاغةِ الحَرف والتَّعبير..! وحَتَّى نُدلِّل عَلَى ذَلِك، تَأمَّلوا هَذا البَيت؛ الذي قَاله «دوقلة المنبجي»؛ فِي وَصف حَبيبته، وشَعرها ووَجههَا، حِينَ قَال: فالوَجه مِثل الصُّبْح مبيضُّ والشَّعر مِثل اللَّيل مسودُّ!! تَأمَّلوا هَذا البَيت.. إنَّه كَلَامٌ «مصفصف»، مِثل صَفصفة الرَّصيف؛ الذي أَمشِي عَليه، ولَكن تَأمَّلوا لَو أَنَّ مُصوِّراً سَاحِراً؛ التَقط صُورَةً عَبر زومه السَّاحِر، وجَودته المبكسلَة لحَبيبة «دوقلة»، ستَكون - قَطْعاً- فَتَاة غُلَاف عَلَى أَرقَى المجلَّات..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي القَول: يَقول إخوَتنَا فِي الصِّين: إنَّ الصّورَة تُغنِي عَن 1000 كَلِمَة، وأَنَا -رَحمني الله وإيَّاكُم- أَقول: إنَّنا لَو التَقطنَا صورَة لـ»عَبْلَة» المَصونَة، ستَكون أَجمَل مِن 1000 بَيت عَنتري، كَتبهَا «ابن شدَّاد»..!!
©