وقد ينبع الإبداع من القاع..! | أحمد عبد الرحمن العرفج
دَائمًا نَسمع عَن العَلَاقة بَين الإبدَاع والأمَاكن المُريحَة، فيُقال لَنا: «هَذا مَكانٌ رُومَانسيٌّ»، و»الجلُوس بجوَار البَحر يُوحي بالشَّاعرية»، إلَى غَير ذَلك مِن العِبَارَات؛ التي تُوحي بأنَّ العَلاقة قَويّة بَين جَماليّة المَكَان وحضُور الإبدَاع..! ولَكن -ومَا بَعد لَكن مُخالف أحيَانًا لِمَا قَبلها- يُؤكِّد الوَاقِع وتُشير المَشاهد والوقَائِع؛ إلَى أنَّ هَذا الكَلام خَالٍ مِن الدَّسَم، وبَعيدٌ عَن الصَّوَاب..! إنَّ الوقَائِع تَقول بأنَّ الإبدَاع يُولد مِن رَحِم المُعَانَاة، والتَّعب والألَم والفَقر، ومَن يَتتبّع سِيَر المُبدعين؛ يَجد أنَّها لَم تَخرج عَن هَذا المُربّع، ودَعوني أَضرب مِثَالاً وَاحِدًا مِن مِئات بَل ألُوف الأَمثِلَة: قَبل أيَّام تَيسّر لِي أنْ أَقرَأ وأطّلع؛ عَلى سِيرة الشَّاعر الكَبير «أحمد فؤاد نجم» -رحمه الله-، تِلك السِّيرة التي تَحمل عنوَان «الفَاجومى»، ولَا أُبالغ إذَا قُلت: إنَّ هَذه السِّيرَة مِن أَعْظَم مَا كُتب في أَدَب السِّيَر العَربيّة، مِن حَيثُ الصِّدق مَع النَّفس، والاعترَاف بالأخطَاء والصَّوَاب، والتَّكلُّم عَن الأفعَال بكُلِّ شَفافية..! في هَذه السِّيرة تَجد المُعَانَاة الكَامِلَة؛ التي أَوجدت وشكَّلت وجدَان الشَّاعر «أحمد فؤاد نجم»..! إنَّها حيَاة تَلوّعت وتَعدّدت بَين السّرقة، والسّجن، والفَقر، والتَّشرُّد، في عَالم يُسمّيه صَاحب السِّيرة «جمهُورية القَاع»، ويَعني بِه قَاع المُجتمع المِصري المَسحوق، الذي تَربَّى فِيهِ الشَّاعِر، ويَكفي دَليلاً عَلى المُعَانَاة؛ أنْ نُشير إلَى أنَّ أوّل ديوَان أَصدره الشَّاعِر «أحمد فؤاد نجم» كَان بعنوَان: «صور مِن الحيَاة والسّجن»، وصَدَر الدِّيوَان وهو مَازَال في السِّجن، وكَتَبَت لَه المُقدِّمة الدّكتورة الأديبَة «سهير القلماوي»..! لقَد كُتب الدِّيوَان بالعَاميّة المِصريّة، وتَأكيدًا للمُعَانَاة فقَد دَخَل الشَّاعِر «أحمد فؤاد نجم» السِّجن جَانيًا ومُجرمًا؛ وخَرَج مِنه شَاعرًا ونِجمًا..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ نُؤكِّد عَلَى أنَّ المُعَانَاة والألَم والفَقر؛ لَيست مِن الأشيَاء السّلبية دَائمًا، بَل هي -في الغَالب- تَدفع الإنسَان إلَى أن يَعيش تَحدّيًا مَع نَفسه، ومِن هَذا التَّحدّي يَتولَّد الإبدَاع والتَّألُّق والتَّميُّز..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©