لمحة فراسة.. لأحوال أهل الحراسة!
قَبْل أَيَّام، نَشَرْتُ مَقَالًا حَول مُعَانَاة حُرَّاس الأَمْن؛ فِي الشَّركَات والمُولَات، ومَا يُعَانونه مِن تَدنِّي الرَّوَاتِب، وغِيَاب التَّأمين والتَّدريب، وضَبَابيّة العقُود، وطُول سَاعَات العَمَل، وقَد وَجَد المَقَال أَصدَاءً كَبيرَة، لَم أَستَطع حَصرهَا، ورَسَائِل كَثيرَة، تَخيَّرتُ مِنهَا هَذه الرِّسَالَة، التي كَتَبَتْهَا الأُستَاذَة «حياة الجهني»، وطَلَبَت مِنِّي إيصَالهَا إلَى المَسؤولين المَعنيين..! تَقول الأُستَاذة «حياة»: (مَسَاء الخَير دكتور «أحمد»: استفزّني كَثيرًا مَوضوع حُرَّاس الأَمن، الذي طَرحتَه ببرنَامجك، وكَتَبتَ عَنه مُؤخَّرًا، استفزّني لأنَّهم الفِئَة المَنسيَّة، وهُم أَحقّ النَّاس بأَنْ نَلتَفت لَهم. فحِينَ شَاهَدتُ الحَلَقَة، وقَرَأتُ المَقَال، تَذكَّرت نَظرة الانكِسَار والحُزن، وقلّة الحِيلَة، فِي عَين ذَلك الشَّاب السّعُودِي، وهو جَالِس عَلى كُرسيّه، عَلَى بَوَّابة أَحَد أَفخَم مَعَارض العطُور؛ فِي إحدَى لَيالِي رَمضَان المَاضِي. فقَد عَبَرْتُ بجَانِبِه، وأَنَا أَشعُر بالخَجَل مِن نَفسِي، وكَأنِّي أَنَا مَن وَضعته هُنَا عَلَى هَذا الكُرسِي، عَلَى مَرْمَى (عِطر) مِن المَكَان؛ الذي يُفتَرَض أَنْ يَكون فِيهِ..! دَخلتُ للمَحَل، ليَستَقبلني شَاب «لِبنَاني»، مِن عُمر الشَّاب؛ الذي يَجلس عَلَى كُرسي الحُزن فِي الخَارِج! استَقبَلني اللِّبنَانِي، الذي تَفوح مِنه رَوَائِح أَغلَى العطُور، التي تُحيط بِهِ، مُتأنِّقًا بالبَدلَةِ السَّودَاء، وتَعلو وَجهه ابتسَامَة عَريضَة..! خَطرَ فِي بَالَي أَنْ أَسأَله: مَا هي شَهَادتك، هَل هي جَامعيَّة، أَم تَحمل الدّكتورَاة؟، أَم أنَّك خَبير فِي العطُور؟، أَم تَدرَّبتَ فِي أَكبَر مَعْرض للعطُور فِي فَرنسَا؟. حَقًّا، هَل يَحمِل شَهَادَة؛ تَفوَّقَت عَلَى شَهَادة حَارِس الأَمْن السّعودِي؟، ومَاذَا يَحتَاج بَائِع العطُور؛ غَير التَّدريب اللَّازِم للتَّعَامُل مَع الزَّبَائِن، والكَلَام اللَّبِق، والمَعرفَة بمَاركَات العطُور ومُكوِّنَاتهَا..؟! كُنتُ أَنظُر مِن وَرَاء الزُّجَاج؛ للشَّاب الحَزين فِي الخَارج، وأَنَا أَستَمع لهَذا اللِّبنَاني، الذي يَقف فِي مَكانٍ، يَجب أَنْ يَقف فِيهِ ذَلك الشَّاب السّعُودِي، وأَتسَاءَل: مَا الذي يَمتَلكه هَذا الشَّاب اللِّبنَانِي، ولَا يَمتَلكه هَذا الشَّاب السّعُودِي الحَزين؟، ولَكن، عَلَى مَن يُلقَى اللَّوم والعَتَب؟، عَلَى وزَارة العَمَل؟، أَم عَلَى رِجَال الأَعمَال..؟! خَرَجتُ وأَنَا أَحمِل مَع كِيس العِطر؛ الكَثير مِن الخَجَل والأَلَم والقَهْر؛ عَلَى هَذا الشَّاب السّعُودِي).. انتَهَت الرِّسَالَة! حَسنًا.. مَاذَا بَقَي؟! بَقَي القَول: يَا قَوم، هَذَه رِسَالَة الأُستَاذَة «حياة الجهني»، التي تَحْمِل نَفَسًا رِوَائيًّا، وقَد يَكون لَهَا مُستَقبل كَبير لَو أَحسَنَت تَوظيف مَوهبتهَا..!!
©