اختلاف المفاهيم بتبدُّل الأقاليم!
قَبْل سَنوَات، قَدَّمتُ بِرنَامِجاً بعنوَان: «الميدَان»، وكَانت فِكرته تَقوم عَلَى: استضَافة شَخصيَّتين مُختَلفتين في التَّوجُّه، ليَطرَحَا رَأييهمَا حَول فِكرَة وَاحِدَة، وكُنَّا فِي ذَلِك الوَقت، نُحَاول فِي قَنَاة الرِّسَالَة؛ أَنْ نَبتَكر مَوضُوعَات جَديدَة، لَم يسبق لَهَا أَنْ طُرِحَت، ومِن تِلك الأَفكَار التي أَثرنَاهَا فِي البِرنَامج، فِكرة أَقلَمة «الفِقه»، ونَعنِي بالفِكرة، أَنَّ الفِقه يَخضع للإقلِيم أَكثَر مِن الفِقه نَفسه، فِيمَا يَخصُّ الفرُوع فَقَط، ولَيس الأصُول، والدَّليل عَلَى هَذا؛ أَنَّ «الشَّافعي»؛ عِندَمَا انتَقَل مِن العِرَاق إلَى مِصر، غيَّر مِن فِقهه وآرَائه الشَّيء الكَثير..! وفِكرة تَغيير الفِقه حَسب الإقلِيم، تَنطَبقُ عَلَى الأَلبِسَة والأَطعِمَة والأَشرِبَة، وسأُعطي الأَمثِلَة عَلَى كُلِّ حَالَة: مِن المَعروف عَقلاً، أَنَّ المَلَابِس تَخضع للبِيئَة، ولَيس للعَقيدَة، فلِبَاس سُكَّان «الإسكيمو»؛ أَصحَاب الطَّقس البَارِد، يَختَلف عَن جُزر هَاوَاي، أَو جُزر الفِلبِّين، التي تَمتَاز بالطّقس الحَارّ نِسبيًّا..! أَمَّا مِن حَيثُ الأَطعِمَة، فالأَطعِمَة التي تُؤكَل فِي البُلدَان؛ التي تُنتج القَمح، تَختَلف عَن البُلدَان التي تُنتج الأُرز أَو المَكرونَة..! ومِن الغَريب أَنَّني أَدرَكتُ -أَثنَاء المَرحَلَة الابتدَائيَّة- أَهميّة التَّغذيَة المَدرسيَّة، حِينَ كَانَت تُوزّع عَلينَا فِي الفُسحَة مَجَّاناً، والغَريب لَيس هُنَا، بَل الغَريب أَنَّها تُراعي الأَقَاليم، فمَثلاً: التَّغذيَة فِي الجنُوب، كَانُوا يَضعون للطَّالب عُلبَة صَغيرَة مُمتَلِئَة بالعَصيدَة، أَمَّا فِي الطَّائِف، فكَانَت تَشتَمل تَغذية الطَّالِب؛ عَلَى عُلبَة صَغيرة مُمتَلِئَة بالسّليق، وهَكَذَا نَجد أَنَّ المَملَكَة حَافِلَة بالأَقَاليم، وكُلّ إقلِيم لَديه «منيو» تُنتجه بِيئته، وتَفخَر بِهِ مَنطِقَته..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: نَحنُ مُنفَتِحُون ومُتقبِّلون للتَّعدديَّة؛ فِي الأَطعِمَة والمَلذَّات والمَشروبَات، ولَيتَ هَذَا التَّقبُّل والانفتَاح يَسرِي عَلَى الآرَاء والفِقه، خَاصَّةً ونَحنُ نَعرف؛ أَنَّ كُلّ إقلِيم لَه مَزَايَا وخَصَائِص، سَوَاء مِن حَيثُ المَذهَب الفِقهي، أَو التَّعدُّديَّة فِي الآرَاء، أو الانفِتَاح عَلَى الآخَر..!!
©