انتفاء السبق في ثقافة القص واللصق | أحمد عبد الرحمن العرفج
نَحنُ في أَخطَر العصُور الإعلَاميّة، لأنَّنا نَعيش في عَصرٍ؛ لَم تَعُد فِيهِ الحقيقَة وَاضِحَة للنَّاس، فقَد تَجد الشَّيء وضِدّه، والصّورة ومَا يُخالفها، والكَلَام ومَا يُناقضه.. كُلّ ذَلك تَجده، لتحَار إذَا كُنتَ مِن مَعشر القُرَّاء البُسطَاء -مِن أمثَالي- فتُدركك الحيرَة، ولا تَعلم أيَّ الخبرين هو الصَّحيح..؟! هَذه المُقدِّمة لَيست كُلّ مَا تُريد أنْ تَشرحه هَذه الكِتَابة، ولَكن نُريد أنْ نَتكلَّم عَن ثَقَافة القَصّ واللّصق، التي تَبتر الكلَام، وتَنتزعه مِن سيَاقه، ليُدين صَاحبه، إمَّا سَلباً أو إيجَاباً.. وحتَّى نُبسّط الأمُور دَعونَا نَضرب هَذا المِثَال: تَخيَّل أن أحدَهم أَخَذَ مِن القُرآن الكَريم آيَة: «وَيلٌ للمُصلّين»، أو آيَة: «ولا تَقربوا الصَّلاة»، ثُمَّ فَصلهما عَن سيَاقهما، وقَدَّمهما للنَّاس عَبر اليُوتيوب، وهو يَقول: (يَا قَوم احذَروا الصَّلاة، ولَا تَقربوها، فالله جَلّ وعَزّ يُهدّد المُصلِّين، ويُنذرهم بالوَيل والثّبور، ويَأمر عِبَاده بأنْ لَا يَقربوا الصَّلاة)..! إنَّ مِثل هَذا الابتسَار أو الانتزَاع أو الاجتزَاء؛ يُشوّه النَّصّ ويُضلِّل النَّاس، وهَكذا يَفعل أكثَر مَن يُروّجون مَقاطع مِن اليُوتيوب، تَحمل طَرفاً مِن الحقيقَة، ولَا تُكملها..! إنَّنا إزَاء تَحدٍ كَوني يُسمَّى «القَصّ واللّصق»، أو اقتطَاع الفِكرة مِن سِيَاقها، لتَخدم الفِكرة التي يُريد القَاصّ المُتربّص إثبَاتها، أو تَرويجها، وهُنَا لَن يَكون الضَّحيّة إلَّا المُتلقِّي البَسيط، الذي كَان فِطريًّا في نَظرته للحيَاة، ويعتبر كُلّ مَا يَراه بعَينه ويَسمعه بأُذنه؛ هو حَق لَا بَاطل فِيهِ..! حَسناً.. مَاذا بَقي؟! بَقي -أيُّها النَّاس- يَا مَن تُروّجون المَقَاطع، وتَفصلونها عَن سيَاقَاتها، اعلَموا أنَّ الكَلِمَة أَمَانَة، والإعلَام رِسَالة، وقَول الحَقّ وَاجِب عَلَى كُلِّ صَاحب ضَمير حَي، فلا تَجتزئوا المَقاطِع مِن سيَاقَاتها، لتُدينوا هَذا القَائِل أو ذَاك، أو تُشوّهوا الأفكَار، أو تُحرّفوا الكَلِمَ عَن مَواضعه..!!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©