image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

القيم الجمالية في المشتركات الإنسانية

عِندَمَا كُنَّا فِي رُوسيَا الاتّحَاديَّة، فِي مُؤتَمَر «الإسلَام، رِسَالة الرَّحمَة والسَّلَام»، حَضرَنا العَديد مِن أَورَاق العَمَل، وكَانَت كُلّ وَرقَة أَقوَى وأَفضَل مِن التي قَبلهَا، مِن هُنَا، كَان لِزَاماً عَليَّ أَنْ أَختَار -عَلَى الأَقَل- وَرقَةً وَاحِدَة، لكَي تَكون شَاهِداً؛ عَلَى مَا قَامت بِهِ رَابطَة العَالَم الإسلَامي، مِن جهُودٍ وخُطوَات، لإيضَاح القِيَم العَاليَة فِي الإسلَام..! فقَد كَانَت فِكرة نَشر المُشتَرَكَات بَين الشّعوب والأُمَم؛ مِن أَهم الأَفكَار، لِذَلَك تَصدَّى لَهَا رَجُلٌ؛ عَلَى مُستوَى كَبير مِن العِلْمِ والمَعرِفَة، أَلَا وهو الدّكتور الصَّديق «خالد أبوالخير»، عَميد كُليَّة الشَّريعة بجَامعة القَصيم، حَيثُ أَلقَى وَرقة عَمَل بعنوَان: «المُشتَركَات بَين الشّعُوب»، وحَتَّى لَا أُطيل، إليكُم خُلَاصة هَذه الوَرقَة..! يَقول الدّكتور «خالد»: (الإسلَام، دِين السَّلَام والرَّحمَة، ولهَذا كَان «السَّلَام عَليكم ورَحمة الله وبَركَاته»؛ شِعَار أَهله، وقَد جَاء فِي الحَديثِ النَّبوَي الشَّريف: (جَعَل الله السَّلَام تَحيةً لأُمَّتنا، وأَمَانًا لأَهل ذِمّتنَا).. ومِن أَعظَم المُشتَركَات التي تَجمع بَين الشّعُوب: * قِيمَة الإنسَانيَّة: فلَم يَحتَرم دِين أَو مَذهَب مَعنَى الإنسَانيَّة؛ وعَظَّم قَدْرَهَا ومَنْزلتهَا، كَمَا احتَرمهَا وعَظَّمها الإسلَام، بَل بَلغَ مِن تَعظيم الإسلَام للإنسَان؛ أَنْ كَرَّم جَسَد غَير المُسلم، حَتَّى وهو بِلَا رُوح، فقَد جَاء فِي الحَديث: أَنَّه قَد مَرَّت بالرَّسول الأَمين -صَلَّى الله عَليه وسَلَّم- جَنَازَة، فقَام لَهَا، فقِيلَ لَه: إنَّها جَنَازة يَهودي، فقَال: أَليسَت نَفسَاً..؟! * قِيمَة العَدْل: تُعدُّ مِن القِيَم المُطلَقَة فِي الإسلَام، فلَا يَحدّها ظَرفٌ ولَا نَص، ولِذَلك حَذَّرنا القُرآن الكَريم، مِن أَنْ يَكون الاختلَاف مَع الآخَر، مَانِعاً مِن العَدل، ومُغرياً للظُّلم, فقَال سُبحَانه وتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)..! * قِيمَة الحُريَّة: هِي قِيمةٌ تَاريخيَّة خَالِدَة، ولهَذا فهِي مِن أَعظَم المُشتَركَات الإنسَانيَّة بَين الشّعُوب، حَيثُ تَهفو إليهَا القلُوب؛ أَمَّا الحُريَّة فِي الإسلَام، فلَهَا شَأنٌ كَبير، لَكنَّها مُقيِّدة بعَدم طُغيَانها عَلَى الضَّرورَات الخَمس، وهي: الدِّين، والنَّفْس، والعَقْل، والنَّسْل، والمَال..! * قِيمَة العَقل: تُعدُّ مِن أَهَم المُشتَرَكَات بَين الشّعُوب، فكُلّ الأُمَم والحَضَارَات تُقدِّر هَذا العَقْل. أَمَّا مَنزلته فِي الإسلَام، فآيَات القُرآن الكَريم التي تَدعُو إلَى استعمَال العَقْل كَثيرَة، وقَد ضَبط الإسلَام العَقْل -كَذَلِك- بمعيَار الضَّرورَات الخَمس، وإلَّا لتَحوَّل العَقْل إلَى حَالَةِ طُغيَان، وتَحوَّلت الحيَاة مَعه إلَى عَدميَّة بَائِسَة..! * قِيمَة الأَخلَاق: فهي مِقيَاس حَضَارَات الأُمَم وتَمدّنها. فكُلّ أُمَّةٍ تُقَاس بأَخلَاقهَا، ومُحَال أَنْ تَقوم المَدنيَّة بِلَا أَخلَاق -كَمَا يَقول الفَيلسُوف «ويل ديورانت»-، ولِهَذَا احتَلَّت الأَخلَاق المَنزِلَة الكُبرَى فِي الشَّريعَة، حَتَّى جَعَلت الشَّريعة -كَمَا جَاء فِي الحَديث- أَنَّ الرَّجُل المُتوَافر عَلَى الأَخلَاق العَاليَة؛ أَفضَل مِن ذَلِكَ الرَّجُل المُعتَكِف فِي مِحرَابه)..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي أَنْ أَقول: بالتَّأكيد هُنَاك قِيمٌ أُخرَى؛ لَم يتَّسع المَجَال لذِكرهَا، نَظراً لضِيق وَقت أَعمَال المُؤتَمَر، لِذَلك أَتمنَّى أَنْ نَنطَلقُ مِن هَذا المَقَال، للبَحث عَن المُشتَرَكَات بَين الشّعُوب، فلقَد سَئِمنَا مِن الأمُور؛ التي تَزرَع الخِلَاف والشِّقَاق والاختلَافَات بَينَنَا..!!

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق