القيم الجمالية في المشتركات الإنسانية
عِندَمَا كُنَّا فِي رُوسيَا الاتّحَاديَّة، فِي مُؤتَمَر «الإسلَام، رِسَالة الرَّحمَة والسَّلَام»، حَضرَنا العَديد مِن أَورَاق العَمَل، وكَانَت كُلّ وَرقَة أَقوَى وأَفضَل مِن التي قَبلهَا، مِن هُنَا، كَان لِزَاماً عَليَّ أَنْ أَختَار -عَلَى الأَقَل- وَرقَةً وَاحِدَة، لكَي تَكون شَاهِداً؛ عَلَى مَا قَامت بِهِ رَابطَة العَالَم الإسلَامي، مِن جهُودٍ وخُطوَات، لإيضَاح القِيَم العَاليَة فِي الإسلَام..! فقَد كَانَت فِكرة نَشر المُشتَرَكَات بَين الشّعوب والأُمَم؛ مِن أَهم الأَفكَار، لِذَلَك تَصدَّى لَهَا رَجُلٌ؛ عَلَى مُستوَى كَبير مِن العِلْمِ والمَعرِفَة، أَلَا وهو الدّكتور الصَّديق «خالد أبوالخير»، عَميد كُليَّة الشَّريعة بجَامعة القَصيم، حَيثُ أَلقَى وَرقة عَمَل بعنوَان: «المُشتَركَات بَين الشّعُوب»، وحَتَّى لَا أُطيل، إليكُم خُلَاصة هَذه الوَرقَة..! يَقول الدّكتور «خالد»: (الإسلَام، دِين السَّلَام والرَّحمَة، ولهَذا كَان «السَّلَام عَليكم ورَحمة الله وبَركَاته»؛ شِعَار أَهله، وقَد جَاء فِي الحَديثِ النَّبوَي الشَّريف: (جَعَل الله السَّلَام تَحيةً لأُمَّتنا، وأَمَانًا لأَهل ذِمّتنَا).. ومِن أَعظَم المُشتَركَات التي تَجمع بَين الشّعُوب: * قِيمَة الإنسَانيَّة: فلَم يَحتَرم دِين أَو مَذهَب مَعنَى الإنسَانيَّة؛ وعَظَّم قَدْرَهَا ومَنْزلتهَا، كَمَا احتَرمهَا وعَظَّمها الإسلَام، بَل بَلغَ مِن تَعظيم الإسلَام للإنسَان؛ أَنْ كَرَّم جَسَد غَير المُسلم، حَتَّى وهو بِلَا رُوح، فقَد جَاء فِي الحَديث: أَنَّه قَد مَرَّت بالرَّسول الأَمين -صَلَّى الله عَليه وسَلَّم- جَنَازَة، فقَام لَهَا، فقِيلَ لَه: إنَّها جَنَازة يَهودي، فقَال: أَليسَت نَفسَاً..؟! * قِيمَة العَدْل: تُعدُّ مِن القِيَم المُطلَقَة فِي الإسلَام، فلَا يَحدّها ظَرفٌ ولَا نَص، ولِذَلك حَذَّرنا القُرآن الكَريم، مِن أَنْ يَكون الاختلَاف مَع الآخَر، مَانِعاً مِن العَدل، ومُغرياً للظُّلم, فقَال سُبحَانه وتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)..! * قِيمَة الحُريَّة: هِي قِيمةٌ تَاريخيَّة خَالِدَة، ولهَذا فهِي مِن أَعظَم المُشتَركَات الإنسَانيَّة بَين الشّعُوب، حَيثُ تَهفو إليهَا القلُوب؛ أَمَّا الحُريَّة فِي الإسلَام، فلَهَا شَأنٌ كَبير، لَكنَّها مُقيِّدة بعَدم طُغيَانها عَلَى الضَّرورَات الخَمس، وهي: الدِّين، والنَّفْس، والعَقْل، والنَّسْل، والمَال..! * قِيمَة العَقل: تُعدُّ مِن أَهَم المُشتَرَكَات بَين الشّعُوب، فكُلّ الأُمَم والحَضَارَات تُقدِّر هَذا العَقْل. أَمَّا مَنزلته فِي الإسلَام، فآيَات القُرآن الكَريم التي تَدعُو إلَى استعمَال العَقْل كَثيرَة، وقَد ضَبط الإسلَام العَقْل -كَذَلِك- بمعيَار الضَّرورَات الخَمس، وإلَّا لتَحوَّل العَقْل إلَى حَالَةِ طُغيَان، وتَحوَّلت الحيَاة مَعه إلَى عَدميَّة بَائِسَة..! * قِيمَة الأَخلَاق: فهي مِقيَاس حَضَارَات الأُمَم وتَمدّنها. فكُلّ أُمَّةٍ تُقَاس بأَخلَاقهَا، ومُحَال أَنْ تَقوم المَدنيَّة بِلَا أَخلَاق -كَمَا يَقول الفَيلسُوف «ويل ديورانت»-، ولِهَذَا احتَلَّت الأَخلَاق المَنزِلَة الكُبرَى فِي الشَّريعَة، حَتَّى جَعَلت الشَّريعة -كَمَا جَاء فِي الحَديث- أَنَّ الرَّجُل المُتوَافر عَلَى الأَخلَاق العَاليَة؛ أَفضَل مِن ذَلِكَ الرَّجُل المُعتَكِف فِي مِحرَابه)..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي أَنْ أَقول: بالتَّأكيد هُنَاك قِيمٌ أُخرَى؛ لَم يتَّسع المَجَال لذِكرهَا، نَظراً لضِيق وَقت أَعمَال المُؤتَمَر، لِذَلك أَتمنَّى أَنْ نَنطَلقُ مِن هَذا المَقَال، للبَحث عَن المُشتَرَكَات بَين الشّعُوب، فلقَد سَئِمنَا مِن الأمُور؛ التي تَزرَع الخِلَاف والشِّقَاق والاختلَافَات بَينَنَا..!!
©