image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

يوميات تنتخب المقولات.. للمشَّائين والمشَّاءات!

مِن المَعلُوم، أَنَّ المَشي لَا يَعتَرفُ بالحدُود، ولَا بالمسَاحَات، لِذَا يَبدو أَيضًا أَنَّ كِتَابة اليَوميَّات عَن فَضَائِل المَشي، أَصبَحت تَتَّسعُ شَيئًا فشَيئًا، وكُلَّما اتّسعَت المسَاحَة، تَمَادَت فِي الفَصَاحَة: (الأحد): قَال شَيخُنَا «أبوسفيان العاصي» لأَحَد تَلَاميذه: (يَا بُنيّ، عَليكَ بالمَشي المُنتَظِم، فإنَّه يُحسِّن المَزَاج، ويُهذِّب الأَخلَاق، فدَاوم عَليهِ بَارك الله فِيك -عَلَى الأَقَل- نِصف سَاعَة يَوميًّا.. أَمَّا إذَا كَانَت لَديكَ مُكَالَمَات؛ لَا تَتطلَّب إجهَادًا فِكريًّا، فحَاول أَنْ تُجريهَا وأَنتَ تَمشِي، لتَجمع بَين فَضِيلَتين: فَضِيلة المَشي، وفَضِيلة إنجَاز العَمَل)..! (الاثنين): هَل الطَّبيعَة التي تَرَاهَا أَمَامك وأَنتَ تَمشِي، هِي نَفسها الطَّبيعَة التي تَرَاهَا وأَنتَ جَالِس أَو رَاكِب؟.. هَذا سُؤال أَجَاب عَنه الفَيلسوف «فريديك كرو» فِي كِتَابه: «فَلسَفة المَشي»، حَيثُ قَال: (إنَّ الطَّبيعَة التي تَرَاهَا مِن حَولك؛ وأَنتَ تُمَارِس رِيَاضة المَشي، هي لَيسَت الطَّبيعَة نَفسهَا التي تَرَاهَا وأَنتَ جَالِس أَو مُستَلقٍ.. بَل والوَقت لَيس هو الوَقت نَفسه، بمَعنَى أَنَّكَ لَا تَقيس الوَقت خِلَال المَشي؛ بمَقَاييس الوَقت وأَنتَ مُستَرخٍ)..! (الثلاثاء): هَل المَشي يُحرِّر الأَفكَار؟.. يُجيب عَن هَذا السُّؤَال الفَيلسوف «فريدريك كرو» أَيضًَا قَائِلًا: (نَعَم، إنَّ المَشي يُحرِّر الأَفكَار، مَثلًا هُنَاك بَعض المُبدعين الذين اعتَبروا رِيَاضة المَشي مَصدَرًا للإلهَام، وهُنَاك أَيضًا عَبَاقِرَة، وَضعوا نَظريَّات فِي العِلْم والسِّيَاسَة أَثنَاء المَشي لمَسَافَاتٍ طَويلَة، مِثل: «نيتشة وروسو.. وغَيرهمَا» ممَّن نَجحوا؛ فِي إخضَاع المَشي الطَّويل لإرَادتهم، أَو وَظَّفوه كحَافِزٍ ومَصدَر طَاقَة، خَاصَّةً بَعد أَن اكتَشَف بَعضهم؛ أَنَّ المَشي يُروِّض الكِبْر والغرُور، ويُثير فِي الإنسَان؛ الحَاجَة إلَى مُمَارَسة التَّواضُع)..! (الأربعاء): يَقول الكَاتِب «جميل مطر»: (نَصيحَةٌ منِّي: استَجيبوا لندَاء المَشي؛ ابتداءً مِن التَّمشيَة عَلَى شَاطئ النِّيل، والتَّسكُّع أَمَام نَوافِذ المَحلَّات التُّجَاريَّة، إلَى المَشي سَريع الخُطوَات فِي النَّوَادِي الرِّيَاضيَّة، والصِّحيَّة، إلَى المَشي الطَّويل)..! (الخميس): تَقول الكَاتِبَة «ليلى البلوشي»: (للمَشي فَوائِد جَمَّة، لِذَلك يَنصَح الأَطبَّاء النَّفسيُّون؛ أَنْ تَكون للمَرء حصَّة مِن المَشي اليَومي؛ الصَّحيح المُعتَدِل، لمُدَّة عِشرين دَقيقَة عَلَى الأَقَل، لأنَّ جِسم الإنسَان المُتحرِّك، يَكون مُنسَجِمًا مَع الذِّهن، فيُسَاعد عَلَى استعَادة التَّوَازن النَّفسي والهرمُوني، وتَنشيط أَنسِجة الجِسم المُختَلِفَة، ويَعتقد البَعض أَنَّ للمَشي جَوَانب جَمَاليَّة، ولَه تَأثيرٌ عَلَى مُستَوَى العَلَاقَات الإنسَانيَّة)..! (الجمعة): يَمتَاز أَهل المَشي بالنُّبل والمَروءَة، والأَخلَاق العَاليَة، ورَدُّ الدّين لأَصحَابه، وحَتَّى نَستَدلُّ عَلَى ذَلك، تَقول السيّدة «نادين الخطيب»، مُترجمَة كِتَاب: «الجَري - تَاريخ غَير تَقليدي»، للفَيلسوف «ثور جوتاس»: (عِندَما سَألنَا وَكيلة المُؤلِّف؛ عَن وَقتهِ المُتَاح فِي الفَترَةِ القَادِمَة، قَالَت: (إنَّه سيَكون مُنشَغلًا حَتَّى آخِر العَام)، وكُنَّا لَا نَزَال فِي شَهر أكتُوبَر، وعِندَما سَأَلنَا عَن السَّبَب، قَالَت: (إنَّه يَزرَع 1000 شَجرَة)، فأَبدينَا اندهَاشنَا وسَأَلنَا: لِمَاذَا؟، فقَالَت: (إنَّ الكِتَاب بَاعَ عَددًا كَبيرًا مِن النُّسخ حَول العَالَم، بعِدَّةِ لُغَات، وشَعر أَنَّه تَسبَّب فِي أَضرَارٍ كَبيرَة بالبِيئَة، بسَبَب الوَرق الذي استُخدم فِي طِبَاعة كُتبه، فقَام بحِسَاب عَدَد الأَشجَار التي استُخدمت لصِنَاعة الوَرَق الخَاص بكُتبهِ، وقَرَّر زِرَاعَة أَشجَار أُخرَى، لتَعويض مَا استُهلِك). لَم أَستَطع أَنْ أُخفي اندهَاشِي وإعجَابِي مِن هَذا المَوقف، وزَاد احترَامِي للكَاتِب بشَكلٍ كَبير).. بالله تَأمَّلوا أَخلَاق أَهل المَشي، كَيفَ أَنَّ المُؤلِّف يَردّ للطَّبيعَة أَشجَارهَا التي قَطعُوهَا؛ مِن أَجل طبَاعة كِتَابه..؟! (السبت): قَال شَيخُنَا «أبوسفيان العاصي»: (إذَا شَعرتُم بالحُزن فعَليكُم بالمَشي)، وهَذه نَصيحَة مُجرَّبَة مِن الإمَام الكَبير «جلال الدين الرومي» الذي يَقول: (عِندَمَا أَحسُّ بحُزنٍ، أَبدَأ بالمَشي)..!!

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق