العقلاء ينصحون بالعطاء
أَكثَر النَّاس يُحبُّ الأَخْذ، ويَنسَى العَطَاء، مَع أَنَّ التَّوَازُن وَاضِحٌ وجَلي؛ فِي أَنَّ الأَخْذ أَحَد نَتَائِج العَطَاء، حَتَّى قَال بَعض الفَلَاسِفَة: (أَنتَ تَأخُذ بقَدر مَا تُعطي)..! لقَد جَاء فِي الحَديث النَّبوي: (مَا نَقصَ مَال مِن صَدقَة، بَل تَزده، بَل تَزده)، فأَنتَ إذَا أَعطَيتَ مِن جَاهِك، أَو مَالِك أَو وَقتِك، حَصلتَ عَلَى التَّعويض بشَكلٍ فَوري، وقَد شَبَّه الفَلَاسِفَة العَطَاء بمَاءِ البِئر، الذي يَظلّ كَمَا هو، ولَكن إذَا أَخذَتَ مِنه تَجدَّد..! أمَّا أَنَا بصِفتي فَيلسوفاً، فأعتَبرُ العَطَاء يُشبه عَمليَّة التَّبرُّع بالدَّم، فكُلَّما تَبرَّعتُ بالدَّم، قَام الجِسم بضَخِّ كميَّاتٍ جَديدَة، وعَوَّضني مَا أَعطَيت، وكَأنَّ الفَائِدَة مُشتَرَكَة، بَين المُتبرِّع، وبَين مَن هو بحَاجةٍ للدَّم..! إنَّنا نَحرص عَلَى الأَخْذ، ونَنسَى العَطَاء، لِذَلك أَخَذ الفَلَاسِفَة يَمدَحُون العَطَاء، ويُشيرون إلَى أَهميّتهِ، لأنَّهم ظَنّوا أَنَّ أَغلَب البَشَر؛ يَنسُون تَفعيل خَاصيَّة «العَطَاء»، لِذَلك قَال الفَيلسوف «كولريدج»: (مَا مِن شَخصٍ نَال شَرفاً عَلَى مَا أَخَذ، بَل الشَّرَف جَائِزَة؛ تُمنَح دَوماً لمَن يُعطِي)..! أمَّا الفَيلسوف الآخَر «سومرست موم» فيَقول: (نَنشَأ؛ وفِي اعتقَادِنَا أَنَّ السَّعَادَة فِي الأَخذ، ثُمَّ نَكتَشف أَنَّها فِي العَطَاء)..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: يَا قَوم، احرصُوا دَائِماً عَلَى العَطَاء، ولَا يَعتَقد بَعضكم أَنَّ العَطَاء فِي المَال فَقَط، بَل هو عَطَاء يَشمَل نَواحيَ كَثيرَة مِن الحيَاة، مِن أَمثَال: مَنح الابتسَامَة للذين لَا تَعرفهم، وإفشَاء السَّلَام، وحُسن التَّعَامُل مَع النَّاس ومُسَاعدتهم، ومِن المُهم -ونَحنُ نَتحدَّث عَن العَطَاء- أَنْ لَا نُفسِد عَطَاءَاتنَا بالمَنِّ والأَذَى، أَمَّا إذَا مَنَحَنَا الآخَرون شَيئاً، فعَلينَا أَنْ لَا نَنسَاه، ولقَد صَدق الرُّومَان فِي أَمثَالِهم حِينَ قَالُوا: (إذَا أَعطَيتَ انْسَ، وإذَا أَخَذْتَ فتَذكَّر)..!!
©