قصصٌ قصيرة.. لا تدّعي البصيرة!
ذَكَرْتُ سَابِقاً -مِن بَاب الميَانَة والمُدَاعَبَة- أَنَّ العَلَاقَة بَين القصَص القَصيرة والقُرَّاء، لَيسَت عَلَاقة مِن طَرفٍ وَاحِد، لَكن السّحر انقلَب عَلَى السَّاحِر؛ حِينَ أَيقَظتنِي القصَص القَصيرَة فِي مُنتَصف اللَّيل، قَائِلَة: إنَّها تُريد أَنْ تَخرج للقَاء أَحبَابهَا، فهَا هِي تَأتيكم مُشتَاقَة، تَسعَى إلَى مُشتَاقٍ: * سَألَنِي صَدِيقِي: مَا هِي عَوَائِق النَّجَاح والعَظَمَة؟، قُلت: لَن أُجيب عَن هَذا السُّؤَال، لأنَّ الفَيلسُوف «كونفوشيوس» أَجَاب عَنه حِينَ قَال: (هُنَاك خَمسة عَوَائِق تَحول دُون العَظَمَة: «الكَسَل، وحُبّ النِّسَاء، وانحطَاط الصحّة، والاشتيَاق إلَى الوَطَن، والإعجَاب بالنّفس»)..! * ثُمَّ سَألَنِي مَرَّةً أُخرَى: مَا عَلَاقتك بالصّمت والكَلَام؟، قُلت: إنَّني أَتّبع فِي ذَلِك؛ وَصيّة الخَليفَة «عمر بن عبدالعزيز» -رَضي الله عَنه- حِينَ سَأله رَجُل نَفس السُّؤَال قَائِلاً: (مَتَى أتكلَّم)؟، فأَجَابه «عمر» قَائِلاً: (تَكلَّم إذَا اشتَهيتَ الصَّمت). فقَال الرَّجُل: (ومَتَى أَصمُت)؟، فأَجَابه «عمر» مَرَّةً أُخرَى قَائِلاً: (اصمُت إذَا اشتَهيتَ الكَلَام)..! * ثُمَّ سَألَنِي مَرَّةً ثَالِثَة: مَا العِبَارَة التي تَستَحضرهَا؛ إذَا ذُكِرَ عِندَك الفَيلسوف «بوذا»؟، قُلت: أَتذكَّر عِبَارته المُثمِرَة التي يَقول فِيهَا: (سيُصلح الله قَلبك المُحطَّم؛ إذَا أَنتَ أَعطَيته كُلّ قِطعَة فِيهِ)..! * سَألَنِي: مَاذَا تَحفظ مِن كَلَام الأَديب «راجي الراعي»؟، قُلت: أَحفَظ لَه عِبَارَة سَاطِعَة لَامِعَة، يَقولُ فِيهَا: (غزوَة القَلب؛ هي الغَزوَة الوَحيدة التي لَا تُنال إلَّا بالمَحبَّة واللِّين)..! * سَألَنِي: مَن أَقنَعك بالعُزلَة؟، قُلت: أَقنَعني بِهَا الفَيلسوف «تيمون» حِينَ قَال: (أُفضِّل العُزلَة عَلَى مُعَاشرَة النَّاس، لأنِّي تَعوَّدتُ مُعَاشرة عيُوبِي، ولَم أَتعوَّد أَنْ أُعَاشِر عيُوب النَّاس)..! * سَألَنِي: لِمَاذَا تَبدو أَحمَق أَحيَاناً؟، قُلت: لأنَّ أُستَاذي الفَيلسُوف «تين» قَال: (أَهل الدُّنيَا أَربَعة: «العُشَّاق، الطَّامِحُون، المُرَاقبون، الحَمقَى».. والحَمقَى أَسعَدهم). وأَنَا أُريد أَنْ أَكون سَعيداً..! * سَألَنِي: لِمَاذا أَنتَ طَرُوب هَذَا المَسَاء؟، قُلت: لأنَّني حَفظتُ كَلَاماً جيّداً للإمَام «علي بن أبي طالب» -كَرَّم الله وَجهه- يَقول فِيهِ: (احذَروا نَشوة الانتصَار والغرُور، فإنَّها تَهدم فِي سَاعة؛ مَا بُني فِي أَعوَام)..! * سَألَنِي: مَاذَا قَرَأتَ هَذَا المَسَاء؟، قُلت: قَرَأتُ مَثَلاً إغرِيقيًّا جيِّداً يَقول: (أَبوَاب العَظمَة تُحيط بِهَا بحَار مِن القَرف)..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي أَنَّ حيَاتنَا اليَوميَّة تَتكوَّن مِن قصَصٍ قَصيرَة، لَكن هُنَاك مَن يَستَمتع بتَفَاصيلهَا اليَوميَّة، ليَرويهَا -مِثلِي- بفَرحٍ وسرُور، وهُنَاك مَن يَخجل حَتَّى مِن نَفسهِ وأَنفَاسِه، فتَضيعُ لَحظَات عُمره مِن بَين يَديه، مُردِّداً أَنَّ «النِّسيَان رَحمَةٌ للتُّعسَاء»..!!
©