من فنون لغة العيون
مَن يُراقِب أَحَاديث بَعض المُتحدِّثين فِي المَجَالِس؛ يَشعُر أَنَّهم بحَاجةٍ إلَى أَخْذ دَورَات؛ فِي طَريقة تَوزيع النَّظَر بَين السَّامعين؛ حَتَّى يُحسِنُوا طَريقة تَوزيع نَظرهم بَين الحضُور، ليَشعر كُلُّ حَاضِرٍ؛ أَنَّه مَوضِع اهتمَامٍ خَاص..! وقَبل أَنْ أَغُوص فِي المَوضُوع، دَعُوني أَستَشهِد بنَصٍّ مُهم؛ ذَكره أُستَاذنا القَدير الدّكتور «عبدالكريم بكّار»؛ فِي كِتَابه: «المُتحدِّث الجيِّد»؛ إذ يَقول فِي بيَان أَهميَّة تَوزيع النَّظَر عَلَى الحضُور: (للنَّظَر أَهميَّة كُبرَى فِي تَوضيح المَعَانِي، وإيصَال الرَّسَائِل إلَى السَّامعين، والحَقيقَة أَنَّ العَين مِرآة الرّوح، وهي تُنظِّم التَّفَاعُل بَين المُتسَامرين والمُتحَاورين، وتَربط بَينهم بربَاطٍ وَثيق، وهي أَقوَى أَدَاة للتَّعبير عَن المَشَاعِر الصَّادِقَة، وإنَّ الشَّخص الذي لَا يَستَطيع تَثبيت عَينيهِ؛ فِي عيُون مَن يُحدِّثهم؛ يُدلِّل بذَلك عَلَى ضَعفهِ وخَجلهِ، وهَذا يَجعل إقنَاعه لَهُم – بالتَّالي- ضَعيفًا)..! بَعد هَذا النَّص، دَعوني أَقول: إنَّ العيُون لَا تَقلُّ أَهميَّة عَن اللِّسَان، وقَد أَدركنَا ذَلك مُنذ الطفُولَة؛ حِينَ سَمعنا أُغنية الفَنَّان «طلال مداح» -رَحمه الله-: «لَا تَقول خَلِّي العيُون عَنّك تَقول» ..! ومِن قَبلهِ بمِئَات السِّنين، قِيلَ بَيتًا مِن جَمَاله؛ يُنسَب لعَشرَات الشُّعرَاء، مِن بَينهم الإمَام «علي بن أبي طالب» ؛ إذ يَقول البَيت: والعَينُ تَعلَمُ مَن عَيني مُحدِّثهَا إِنْ كَانَ مِن حِزبهَا أَو مِن أَعَادِيهَا! إنَّ نَظركَ إلَى مَن تُحدِّثه؛ يُشعره بالاهتمَام، ويزِيد مِن إنصَاتهِ، وقَد رَوى «الطَّبَرَاني» بسَندٍ حَسن عَن «عمرو بن العاص» قَال: (كَان رَسُول الله يُقبِل بوَجههِ وحَديثه عَليَّ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي خَير القَومِ)..! أَكثَر مِن ذَلك، عَلَى المُتحدِّث أَنْ يُوزِّع نَظره بَين الحضُور، فلَا يَتحيَّز إلَى شَخصٍ دُون آخَر، ولَا إلَى كَبير أَو وَزير، ويَنسَى المُواطِن الفَقير؛ لأنَّ الإنسَان إذَا تَحدَّثتَ إليهِ، ونَظرتَ إلَى وَجههِ فِي الوَقت نَفْسه، فإنَّ نِسبَة التَّفَاعُل بَينكما تَزيد، وكميّة التَّركيز تَرتَفع؛ لِذَلك كَان تَركيز النَّاس أَقوَى دَائِمًا عَلَى مَن يَرتَجل الحَديث، أَكثَر مِن ذَلك الذي يَقرَأ مِن وَرقَة، حَتَّى لَو كَان مَضمون الوَرقَة؛ أَقوَى مِن مَضمُون حَديث الشَّخص المُرتَجِل..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: إنَّني أُحَاول -حِين أَتحدَّث مَع أَصدقَائي، أَو فِي البَرَامِج- أَن أُوزِّع النَّظَر بَين الحضُور؛ لأنَّ كُلّ مُستَمع أَو مُشَاهِد؛ لَه حصّة مَعلُومَة مِن حِصَص تَوزيع النَّظَر، وهَذه الحِصَّة، اكتَسَبهَا بعَرق جِبينه مُقَابل حضُوره..!
©