يقول المجاز: مكة ليست من الحجاز!
أُحبُّ أن أَطرَح الآرَاء المُختَلِفَة التي تَصلني؛ مِن هَذا البَاحث أَو ذَاك، وبَعض الآرَاء التي أَطرحهَا؛ يَنَالني مِنهَا الخَيرُ القَليل، والشَّرُّ الطَّويل، ومَع هَذا، مَازلتُ مُتمسِّكاً بمَنهجي فِي النَّشر، بغَضِّ النَّظر عَن ردُود الأَفعَال، ومَا تَحمله مِن المَدْح السَّليم، أَو النَّقد السَّقيم..! هَذه رِسَالَة وَصلَتني مِن البَاحث الأستَاذ؛ «سعيد بن عبدالعزيز الزهراني»، يُؤكِّد فِيهَا -تَأكيداً يَرتَقي إلَى الجَزم- بأنَّ مَدينة مَكَّة المُكرَّمة -حَرسهَا الله- لَيسَت مِن الحِجَاز، ولَا تَدخُل فِي إِقلِيمه.. وهَذا طَرحٌ غَريب، ولَكن مِن حَقِّ البَاحِث عَليَّ؛ أَن أَنشر رِسَالته؛ التي يَقول فِيهَا: (نَسمَع فِي وَسَائِل الإعلَام -بمُختَلفِ اتّجَاهَاتهَا- مُفرَدة الحِجَاز، التي يُقصَد بِهَا مَكَّة المُكرَّمَة خصُوصًا، والمَنطِقَة الغَربيَّة مِن بِلَادنَا عمُومًا..! إِشَارَتهم صَادِقَة؛ لَو كَانُوا يَقصدُون بالحِجَاز، مَدينة رَسولنَا الكَريم -عَليه الصَّلَاة والسَّلام-، فالمَدينَة المُنوَّرة مَدينَة حِجَازيَّة، تَقَع عَلَى جِبَال السَّرَوَات، كَمَا هو حَال الطَّائِف والبَاحَة..! أَمَّا مَهبط الوَحي، فهِي مَدينَة تُهَاميَّة، مِثلهَا مِثل جُدَّة ويَنبُع، كَمَا تُنسَب الرِّيَاض والمَجمعة وجَميع المُدن؛ التي تَقَع إلَى الشَّرق مِن جِبَال الحِجَاز، إلَى نَجد..! وقَد أَكَّدت كُتب التُّرَاث عَلَى هَذه الحَقيقَة، فِي أَكثَر مِن مَوضِع، فقَد جَاء عَن الأَصمَعي: (وإنَّمَا سُمِّي الحِجَاز حِجَازاً، لأنَّه «حَجزَ» بَين تُهَامَةٍ ونَجد)..! ولَا نَجدُ خِلَافاً بَين المُؤرِّخين؛ فِي نِسبة مَكَّة إلَى تُهَامَة، إلَّا خِلَافاً حَول حدُود تُهَامَة؛ مِن الجَنوب والشّمَال، فمِنهم مَن جَعَل مكَّة؛ حدُوداً شَمَاليَّة لتُهَامَة، ومِنهم مَن ذَهبَ إلَى أنَّ خَليج العَقبَة، هو الحَد الشَّمَالِي لَهَا..! الجيولُوجيَا والجُغرَافيَا والتَّاريخ، وحَتَّى الأَدَب العَربي، كُلّهَا تُخَالِف هَذه المُغَالَطَة، التي أَسَّس لَهَا النِّظَام الإدَاري العُثمَاني، والذي كَان يَعتبر مَكَّة المُكرَّمة؛ إقلِيماً حِجَازيًّا).. انتَهَت الرِّسالَة! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: يَا قَوم، هَذا طَرْحٌ يَستَحقُّ التَّأمُّل، فإذَا كَان صَوَابًا، فانشرُوه، وإذَا كَان مِن بَاب الخَطَأ، فعَليكُم الرَّد، وعَليَّ النَّشر..!!
©