الإيجاز.. في نسبة مكة إلى تهامة أو الحجاز!
نَشَرتُ قَبْل أَيَّام؛ رِسَالَة وَصلَتني مِن البَاحِث القَدير/ «سعيد بن عبدالعزيز الزهراني»، يُؤكِّد فِيهَا: أَنَّ مَكَّة المُكرَّمة لَيسَت مِن الحِجَاز، وإنَّمَا هي جُزءٌ مِن مَنطقة تهَامَة، وقَد سَاقَ الأَدلَّة التي تُؤكِّد هَذا الرَّأي، وتدعمه..! بَعد نَشر هَذه الخبريَّة -كَمَا يَقُول اللِّبنَانيّون- قَامَت الدُّنيَا ولَم تَقعُد فِي عَالَم السُّوشيَال مِيديَا، بَينَ مُؤيِّد ومُصفِّق، ومُعَارِض ومُطَقْطِق، وأَخَذَ كُلٌّ يُدلي برَأيه، وقَد احتَفيتُ بالرّدُود كُلّهَا، المُؤيِّدة مِنهَا والمُعَارِضَة، ولَكنَّني سأَحتفي أَكثَر، بالرَّد الذي وَصلَني مِن الكَاتِب العَريق الأَخ والصَّديق/ «عبدالله غريب الزهراني»، الذي يَقولُ فِي رَدّه: (أَخي عَامِل المَعرِفَة: اطَّلعتُ عَلَى مَا نَشِرْتَه قَبْل أَيَّام؛ حَول رِسَالة البَاحث «سعيد الزهراني»، التي قَال فِيهَا: بأنَّ مَكَّة لَيسَت مِن الحِجَاز، وهُنَا لابدَّ بشَيءٍ مِن التَّفصيل التَّاريخي والجُغرَافي، فبَعضه «مُتحرِّك»، وبَعضه «ثَابِت»، فـ»المُتحرِّك»: أَنَّه فِي عَهد الأَشرَاف، قَبل الدَّولَة السّعوديَّة الحَديثَة، كَانَت الحِجَاز -جُغرَافيًّا وتَاريخيًّا- مُمتدَّة مِن شَمَالِ المَملَكَة، وحَتَّى نَهاية عَسير جنُوباً، ومِن البَحر الأَحمَر غَرْبًا، إلَى نَجدِ شَرقا، وكَانت مَكَّة آنذَاك عَاصِمَة لَهَا، ثُمَّ جَاءَت القوَّات النَّجديَّة فِي مَرحَلة التَّوحيد، ودَخلَت مُدن الحِجَاز، حَتَّى انتَهَت بتَسلِيم مَدينة جدّة عَام 1925م -آخِر مَعَاقِل الأَشرَاف- للمَلَك «عبدالعزيز» -يَرحمه الله-، وتَم إعلَان ضَمّ الحِجَاز إلَى نَجد، تَحت اسم «مَملَكة الحِجَاز ونَجد ومُلحقَاتهَا»، وهُنَا يُوضِّح البَاحِث «سعيد»؛ أَنَّ الحِجَاز سُمِّيت بهَذه التَّسمية، عَلَى مُستَوَى خَارطة المَملَكَة، لهَذه الظّرُوف فَقَط..! ثُم يَأتي «الثَّابِت» بالتَّخصيص جُغرافيًّا، باعتِبَار مَكَّة وَادياً غَير ذِي زَرع؛ بنَصِّ القُرآن، وأَنَّ الجِبَال -التي تَمتَدُّ مِن الطَّائِف باتّجَاه البَاحَة، وحَتَّى عَسير، وتَفصِل بَين تهَامَة؛ وأَوديتهَا الوَاقِعَة عَلَى مُستَوَى سَطح البَحر الأَحمَر؛ المُمتدَّة حَتَّى اليَمن-، تُسمَّى «جِبَال الحِجَاز»، ولِذَلك كَان أَهل مَكَّة يُلقِّبون؛ كُلَّ مَن يَأتي إلَى مَكَّة وجدّة لأَي عَمل، بـ»الحِجَازي»، وكَانُوا يُطلقونهَا مِن بَاب السُّخريَة، حَيثُ كَانَت مَكَّة المُكرَّمَة؛ المَجَال الأَوحَد لسُكَّان القُرَى فِي الحِجَاز، الذين يَأتون للبَحث عَن الرِّزق، أَو حَتَّى لأَدَاء المَنَاسِك، وكَان سُكَّان مَكَّة الذين يُسمّون أَنفسهم (الحضران)، يَستخفُّون بكَلِمَة «حِجَازي»، ويُطلقُونَهَا عَلَى مَن يَعمل لَديهم؛ مِن أَبنَاء الحِجَاز فَقَط، بشَهَادة أَهلهَا -لَفظيًّا- لتُؤكِّد بأنَّ الحِجَاز لَا يَشمَل مَكَّة المُكرَّمَة، مَكانًا وسُكَّانًا. وهو الصَّحيح. لأنَّها تُعتبر بالنّسبَة للطَّائِف مَثَلا: «تهَامَة»، كَمَا تُعتَبَر القُنفذة والمخوَاة وقلوَة فِي البَاحَة، تهَامَة للبَاحَة، وحَتَّى الآن عِندَما يُريد سُكَّان تهَامَة، الطّلوع للبَاحة مَثلاً يَقولون: نَحنُ سنَتَّجه للحِجَاز، كَذَلك تهَامَة عَسير بنَفسِ الطَّريقَة، وعَلَى كُلٍّ، فالحِجَاز أو تهَامَة لَا تُقلِّلان مِن شَأن المَكَان ولَا السُّكَّان، سَابِقًا ولَاحِقاً، فِي ظِلِّ الوحدَة التي أَرسَى دَعَائِمهَا -جُغرَافيًّا وتَاريخيًّا- المُؤسِّس الملك «عبدالعزيز» -طيّب الله ثَرَاه-، ولَم يَعُد لتِلك النّعوت مَجَال؛ فِي عَهد الأُخوّة، التي يَعيشهَا الجَميع فِي وَطنِ الجَميع، فالكُلّ يَتشرَّف بأَنَّه «سعودي»، بَعيداً عَن العُنصريَّة البَغيضَة؛ بَين أَبنَاء الوَطن الوَاحِد. فِيمَا تَبْقَى الحَقيقَة وَاضِحَة، لَا لَبس فِيهَا، فأَنَا شَخصيًّا أَميلُ، بَل وأُؤكِّد، عَلَى مَا ذَهبَ إليهِ البَاحِث «سعيد الزهراني»؛ حَول إخرَاج مَكَّة جُغرافيًّا مِن الحِجَاز، فهَذه حَقيقَة سَاهَمَ التَّاريخ فِي تَأصيلهَا، والجُغرَافيَا فِي دَلَالتهَا..) انتَهت الرِّسَالَة! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: أَعلَم أَنَّ هَذا المَوضوع؛ مِن المَوضُوعَات التي تُثير المُنَاقَشَة والجَدَل، لِذَلك سيَأخُذ الكَثير مِن الجُهدِ والوَقت، مِن أَجل تَصحيح هَذا الرَّأي، أَو مُعَارضته، ونَحنُ وإيَّاكم مِن المُنتَظرين للنَّتيجَة، التي ستُسفِر عَنهَا هَذه المُبَارَاة..!
©