إعجابي وتبجيلي لكفاح جيلي (3)
لَازلنَا نَتحدَّث عَن الصِّرَاعَات، والمَتَاعِب والمَصَاعِب، التي وَاجههَا جِيلي، وهي -كَمَا لَاحظتُم فِي المَقاليْن السَّابقيْن، وكَمَا ستُلاحِظُون فِي هَذا المَقَال- تَحوُّلات تَجعل الوِلدَان شِيباً..! لقَد ذَكرنَا سَابِقاً ثَمانية تَحوُّلات، وهَا نَحنُ نَستَكمل البَقيَة، ونَقول: تَاسِعًا: فِيمَا يَخصُّ الصِّرَاعَات الفِكريَّة، فقَد عَاشَ جِيلي بدَاية الحَدَاثَة ومَوتهَا، وبزُوغ اللِّيبرَاليَّة وانتعَاشهَا، وسطُوع العَلمَانيَّة والجَدَل حَولهَا، وصعُود فِكْر القَاعِدَة ثُمَّ نزُوله، وتَمدُّد دَاعِش ثُمَّ تَشتُّتها، وغَير ذَلك مِن التيَّارات والمَذَاهِب؛ التي جَاءَت مِن النَّافِذَة، وخَرَجَت مِن البَاب..! عَاشِراً: فِيمَا يَخصُّ التَّعليم، فقَد أَدرَكنَا التَّحوُّلات كُلّها، أَدرَكنَا التَّغذيَة المَدرسيَّة، عِندَمَا كَانَت وزَارة المَعَارف؛ تَمنَح كُلّ طَالب؛ وَجبَة غِذَائيَّة مَجَّانًا كُلّ صَبَاح، وبَعد سَنوَات انقَطَعَت هَذه التَّغذيَة، كَمَا أَدركنَا الخَميس كيَومٍ دِرَاسي، ثُمَّ أَصبَح الخَميس إجَازة؛ لمُدّة رُبع قَرن، ثُم عُدنَا إلَى الخَميس، وأَصبَح يَوماً مِن أَيَّام العَمَل..! حَادي عَشر: أَمَّا مَا يَخصُّ الاقتصَاد، فقَد عَايشنَا صعُود العُملَات وهبُوطهَا، وأَتذكَّر أَنَّني أوّل مَرَّة سَافرتُ فِيهَا إلَى مِصر، كُنتُ أَذهَب إلَى الصَّرَّاف، وأُعطيه خَمسة رِيَالَات، حَتَّى يَصرف لِي مُقَابلها؛ جُنيهاً مِصريًّا وِاحِدًا، أمَّا الآن، فإنَّ جِيلي يَذهب إلَى مِصر، ويُعطي الصَّرَّاف رِيَالاً وَاحِداً، ليَمنَحه خَمسة جُنيهَات مِصرية، عَدًّا ونَقدًا..! حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟! بَقي القَول: كُلُّ مَا ذَكرته فِي هَذا المَقَال وغَيره، هو رَشفَة مِن بِئر، أَو وَردَة مِن بَاقَة، ولَديَّ وبَين أَورَاقي؛ عَشرَات التَّحوُّلات، والمَتَاعِب والمَصَاعِب، التي مَرَرنَا بِهَا، ومَن يَدري لَعلَّ هَذا المَقَال؛ يَكون بِدَاية لسِيرةٍ أَو رِوَايةٍ تَرصد هَذه التَّحوُّلات، وكَيف أَنَّنا -بعقُولنَا الصَّغيرَة- استوعبنَاهَا وامتصصنَاهَا، وصَعدنَا فَوقهَا، لنَبدو أَجمَل وأَكمَل، وأَعدَل وأَمثَل..!!
©