منذ قرون والحب توأم للجنون! | أحمد عبد الرحمن العرفج
العَلَاقَة بَين الحُبّ والجنُون عَلَاقة قَويّة، وقَد لَمسَها الفَلَاسِفَة والأُدبَاء والمُفكّرون والشُّعراء، مُنذ أوّل الأزمَان، حتَّى زَمَان النَّاس هَذا، ولَا عَجب، فإنَّ العِشق أوّله مزَاح، وآَخره جنُون، وقَد أوصَانَا الشَّاعِر بالاستمَاع إلَى نَصيحته، التي اختَصرها في بَيتين، أَوردهما صَاحب كِتَاب «روضة المُحبّين ونُزهة المُشتاقين»، يَقول فِيهما: سَمَاعًا يَا عِبَادَ اللهِ مِنِّي وَكُفُّوا عَنْ مُلاَحَظَةِ المِلاَحِ فَإِنَّ الحُبَّ آخِرُهُ المَنَايَا وَأَوَّلُهُ شَبِيهٌ بِالمزَاحِ إنَّ الحُبّ جنُون لَذيذ، وقَد يَستولي هَذا الجنُون عَلى المُصَاب بالحُبّ؛ فيُعرف بِه، فهَذا مَجنُون ليلَى، جُنّ بهَا حتّى طَاب لَه الجنُون، وإذَا أُطلق هَذا اللَّقَب، فالمُرَاد بِهِ قَيس بن مَجنُون ليلَى..! أكثَر مِن ذَلك، تَجد أنَّ أَبسَط عِبَارَات المُحبّين، تَختصر الطَّريق إلَى الجنُون، حِين يَقول العَاشِق لحَبيبته: «أُحبّكِ بجنُون»..! إنَّ جنُون المُحبّين عَدوَى تَنتقل مِن شَخصٍ إلَى شَخص، لذَلك يَقول الشَّاعر: جُنِنَّا بِلَيْلَى وَهِيَ جُنَّتْ بِغَيْرِنَا وَأُخْرى بِنَا مَجْنُونَة ٌلاَ نُرِيدُهَا وحَالة الجنُون التي تَتلبّس المُحبِّين، سَواء حَالة الحُبّ، أو مُحَاولة التَّخلُّص مِنه، لَيست مِن المَسَائِل الاختيَاريّة، بَل هي ظَاهرة إجبَاريّة، ولَم يُنفِ هَذه المَسألة إلاَّ الشَّاعِر «كامل الشنّاوي»، حِين قَال: وَأَنَا صَنَعْتُكِ مِنْ هَوَايَ وَمِنْ جُنُونِي وَلَقَدْ بَرِئْتُ مِنَ الهَوَى وَمِنَ الجُنُونِ ومِن الجنُون الذي تَعدّى كُلّ المُمَارسَات، والأشكَال والفنُون، مَا ذَكره أُستَاذنا الكَاتِب الكَبير «أحمد رجب» -يَرحمه الله- في كِتَابه «يخرب بيت الحُب»، حَيثُ يَقول: (مِن الجنُون المُمتع في تَاريخ العُشَّاق، ذَلك الذي حَظي بِهِ الشَّاب الألمَاني المَعشوق، عِندَما خَافَت عَليه حَبيبته مِن الأُخريَات، فاحتَفَظَت بِهِ في «الفريزر»، ثُمَّ بَحَثَت عَن مَكانٍ أكثَر أَمنًا، فلَم تَجد إلاًّ بَطنها، وهَكذا أصبَحت تَأكل مِنه كُلّ يَومٍ قِطْعَة، الأمر الذي يُنبّهنا إلَى أنَّه؛ يَجب عَلى كُلِّ عَاشِق أنْ يَحرص عَلى سَلامة لَحم جِسمه، فلَا يَأكل «الفرَاخ» والبيض؛ حتَّى لَا تَتسمَّم حَبيبة قَلبه بالسَّالمونيلا)..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنَّ أَطبَّاء عِلم النَّفس يُحذّرون مِن الحُبِّ المَرَضِي، الذي يَجعل الحَبيب يَرتكب جَرَائم شَنيعة يُبرِّرها لنَفسه، بحجّة أنْ لَا خسَارة تَفوق خسَارة الحَبيب..!! T: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©