إخراج المرآة من قائمة الجناة | أحمد عبد الرحمن العرفج
المِرآة أَدَاة عَاكِسَة صَادِقَة، تَكشفُ لمَن يَقف أمَامها؛ أكثَر ممَّا يَكشفه لَه البَشَر، لأنَّ الإنسَان قَد يَكذب، وقَد يُدلِّس، وقَد يُجامِل، ولَكن المِرآة صَادِقَة في كُلِّ انعكَاسَاتِهَا، ودَقيقَة في كُلِّ مَا تَقول..! في مَرَّة مِن المرّات، صَاح فَيلسوف قَائِلاً: (لَيتَ الله لَم يَخلق لَنَا المرَايا، حتَّى يَعيش الإنسَان طُوَال حَياته؛ مُتوهِّماً أنَّه أجمَل الخَلْق).. مِن هُنَا نَفهم أنَّ المرَايا لَهَا رِسَالة مُؤذية للبَعض، ولَكن دَعونا نُركّز عَلى الرِّسَالة الإيجَابيّة والصَّادِقَة، التي تَمنحنَا إيَّاها المِرآة، وهي كَشف العيُوب، وبيَان المَثَالِب لمُعَالجتها..! عِندَما تَتأمّل -أيُّها الإنسَان- وَجهكَ في المِرآة، فاشكُر الله عَلى حُسن الخَلْق، وحَاول أنْ تُتبعه بجَمَال الخُلُق، واجعَل النَّظر إلَى المِرآة سَاعة تَدبُّرٍ وتفكُّرٍ وتأمُّل، تَمَاماً مِثل ذَلك الشَّاعر الأَندلسي الذي قَال: إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى المِرْآةِ إِذْ جُلِيَتْ فَأَنْكَرَتْ مُقْلَتَايَ كُلَّ مَا رَأَتاَ رَأَيْتُ فِيهَا شَيْخاً لَسْتُ أَعْرِفُهُ وَكُنْتُ أَعْرِفُ فِيهَا قَبْلَ ذَاكَ فَتىَ فَقُلْتُ: أَيْنَ الَّذِي مَثْوَاهُ كَانَ هُنَا مَتَى تَرْحَلْ عَنْ هَذَا المَكَان مَتَى؟ فَاسْتَجْهَلَتْنِي وَقَالَتْ لِي وَمَا نَطَقَتْ قَدْ كَانَ ذَاكَ، وَهَذَا بَعْدَ ذَاكَ أَتَى هَوِّنْ عَلَيْكَ فَهَذَا لاَ بَقَاءَ لَهُ أَمَا تَرَى العُشْبَ يَفْنَى بَعْدَمَا نَبَتَا؟ كَانَ الغَوَانِي يَقُلْنَ: يَا أُخَيّ، فَقَدْ صَارَ الغَوَانِي يَقُلْنَ اليَوْمَ: يَا أَبَتَا إنَّ المِرآة -كَما ذُكر أعلَاه- عَاكِس أَمين، ولَا يُجدي مَعها تَزييف الحقَائق، فهي -كَما وَرد في القصيدَة- نَبّهت الشَّاعِر إلَى المَشيب، فأين مِنه المَهْرَب؟ في حِين أنَّ أصحَابه كَانوا يُغرِّرون بِهِ، قَائلين لَه: «مَازِلتَ في رِيعَان شَبابك».. ولَكن المِرآة بحقيقتهَا السَّاطِعَة؛ كَشَفَت لَه حقيقَة الوَاقِع، وصِدق الوقَائِع..! حَسناً.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ أُصحِّح عِبَارة خَاطِئة يُردّدها النَّاس دَائماً، حِين يَقولون: «نُريد تَصحيح صُورة كَذَا».. وهَذا قَولٌ خَاطئ، لأنَّ الصّورة لَن تُصحَّح، إلَّا إذَا كَان الأَصل صَحيحاً..!!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©