تفنيد ذرائع المعتدين على قدسية القوانين | أحمد عبد الرحمن العرفج
أَزعُم - وبَعض الزَّعم لَيس إثمًا - أنَّ القِرَاءة هي المُحرِّض الأوّل للقِرَاءة، إنْ لَم تَكُن المُحرِّض الأكثَر فَعالية مِن بَين المُحرّضات الأُخرَى، فأحيَانًا تَجد سَطرًا في كِتَاب يُوحي لَكَ بفِكرة، وأحيَانًا تَجد صَفحة في كِتَابٍ ثَانِ، تُوحي لَكَ بكِتَابٍ آخَر..! إنَّ القِرَاءة - بشَكلٍ مِن الأشكَال - مِثل اللَّوحَات التي تُشير إلَى المُدن، حَيثُ تَجد السّهم أمَامك يُشير إلَى المَدينة، ولَكن السّهم لَيس في أَرض المَدينَة، ولا يَصل إليهَا..! هَذا بالضَّبط مَا حَصَل مَعي، وأنَا أقرَأ كِتَاب «عِشتُ سَعيدًا مِن الدرّاجة إلَى الطَّائِرة»، للصَّديق الخَلوق «عبدالله السعدون»، حَيثُ يَتحدّث عَن وَاشنطن عَاصمة أمريكَا، قَائلاً: (سُمِّيت وَاشنطن بهَذا الاسم تَخليدًا لأوّل رَئيس للولَايَات المُتّحدة، هَذا الرَّئيس الذي رَفض اقترَاحًا بالتَّمديد لَه لولَايَة ثَالِثَة، بدعوَى أنَّ الأوضَاع لَم تَستقر بَعد، فقَال: «لَو كَسرتُ القَانون وبَقيتُ لولَايَة ثَالِثَة، فلَن يُصبح للقَانون قِيمَة بَعدي، وسيَتجاوزه الآخرون». ولهَذا الرَّجُل فَضلٌ كَبير عَلى الولَايَات المُتّحدة ودستُورها، الذي يَنص عَلى استقلَال السُّلطات الثَّلاث «التَّنفيذيَة والتَّشريعيّة والقَضائيّة» مَا أَمْكَن ذَلك، فقَد كَان مِن أكثَر المُتحمِّسين لهَذا البَند، ودَعَم السُّلْطَة الرَّابِعَة «الصَّحافة»، التي تُعدُّ صمَام الأمَان ضِد أي تَجاوز أو فَسَاد)..! إنَّ هَذا المَقطع عَلى اختصَاره؛ يُوحي للقَارئ بأهمّية احترَام القَانون، فالرَّئيس «وَاشنطن» لَو قَبِل تَغيير القَانون، ومَدّد لفَترَة ثَالِثَة، سيَأتي مِن بَعده مَن يُمدّد لنَفسه فَترَة رَابِعَة، ثُمَّ يَأتي أيضًا مَن يُمدِّد لفَتْرَة خَامِسَة، وهَكَذا..! إنَّ القَوانين إذَا اخترقنَاها وغيّرنَاها؛ لكي تَتمَاشَى مَع أهوَائنا، سيَأتي مِن بَعدنا مَن يُغيّرها ويُبدّلها، لتَتمَاشَى مَع مَصالحه وأهوَائه، وهَكَذَا يُصبح القَانون مطية للمُتجَاوزين، بَعد أنْ كَان هو السيّد والحَاكِم..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ أُشير إلَى أنَّ هُنَاك نَموذجين آخرين، أَحدهما جيّد بَديع، والثَّاني رَديء وَضيع، أمَّا الجيّد فقَد صَدَر عَن الرّئيسيْن «مهاتير محمد» رَئيس مَاليزيا، و»نيلسون مانديلّا» رَئيس جَنوب إفريقيَا، حَيثُ اعتذَرَا عَن التَّمديد؛ رَغم الإلحَاح الذي وَاجهَاه، بحجّة أنَّ عَليهما أنْ يَضربا المَثَل بنَفسيهما، إذَا كَانَا حَقًّا يُؤمِنَان بالتعدّدية السياسيّة، والتَّداول السّلمي للسُّلْطَة.. أمَّا النّموذج الرَّديء، فيَتكرَّر في عَددٍ مِن الدّول العَربيّة، حَيثُ يُمدّد كَثير مِن الرّؤسَاء لأنفسهم، بحجّة أكذوبَة اسمها «رَغبة الجَمَاهير»..!!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©