تعليقٌ سليم على ظاهرة التحطيم | أحمد عبد الرحمن العرفج
قبل أيَّام كَتبتُ كِتَابَة حَول ضَرورة مُجَابهة التَّحطيم -مِن قِبَل النَّاس- بجَميع أشكَاله اللَّفظيّة والعَمليّة، -خَاصَّة- تِلك التي تَصدر مِن أُناسٍ؛ لَا يُريدون سوَى رُؤية الفَشَل عَلى الانسَان الأقدَر مِنهم؛ عَمَلًا وإنجَازًا وابتكَارًا..! لَكن أنْ تَصدر مِثل هَذه الانتقَادَات -التي لَيست في مَحلّها- مِن أقرَب النَّاس وأعزّهم عَلى الإنسَان، لهو أَمْر مُحيّر فِعلًا، والأمثِلَة حَولها تَطول وتَتشعَّب كَثيرًا..! بَعد الكِتَابَة، وَصلتني رِسَالة تَعقيبيّة لَم أَستَطع -للأمَانة- تَجاوزها، وهي مِن القَارِئة «فَاطمة الرِّفَاعي»، التي كَتَبَتْ بحَرفٍ مُوجع ومُتَحدٍّ -بنَفس الوَقت- قَائِلَةً : إنَّها -أثنَاء طفُولَتهَا- تَقدَّمَت بخطوَاتٍ بَريئة -فِي جَمعٍ عَائلي- وأَلْقَت بكَلمَاتٍ خَجولة تُعبِّر فِيها عَن وجهة نَظرها.. فتَعَالَى صَوت وَالدها نَهرًا وتَوبيخًا، وشَتمًا ونَعتًا بأَسوَأ الألقَاب، فحفَر ذلك في كَيَانها جَرْحًا وكَسرًا وإحرَاجًا، وحُمرةً وتَعرُّقًا، جَعلها تَشعر بأنَّها حَشرة وتَتحدَّث كَذبًا.. هَربَت مِن المَكان، والعيُون تَلمحها شَفَقَةً عَلى هَذه الطِّفلة، ودمُوعها تَسبقها كأنهَار لَا تَقف عَن الجريَان.. اختَبأت في زَاوية مُظْلِمَة، وأفكَار سودَاء تَجول في رَأسِها وخَاطِرها، هَذه أنَا..! في القِطْعَة الثَّانية مِن الرِّسَالة، عَبَّرَت السيّدة «فاطمة»؛ عَن نَجاحها في التَّخلُّص ممَّا أصَابها؛ جرّاء تِلك الكَلِمَة التي صَدَرَت مِن أَبيهَا، بقَولهَا: كَبرتُ ونَجحتُ في أنْ أُكَابر خَجلي الشَّديد، وأَتغلَّب عَلى نَقص ثِقتي بذَاتي، وتَردُّدي في اتّخاذ قَرَارَاتي، وهَزْم الخَوف الذي نَشَأ دَاخِلي.. نَعم هَذا مَا حَدَث، إنَّها الطّفولَة التي فَقَدَت التَّعامُل مَع مُؤشِّرات الفِطْنَة، والمُشَاركة الحِوَاريّة، بإحبَاطٍ أَبوي دُون قَصد، حَسبه التَّربية الصَّحيحة بهَذا التَّوجُّه وهَذا التَّوبيخ، الذي يَأكل الرّوح، ويُهشِّم الجَسَد الصَّغير، بقَلبٍ تَتسَارع نَبضاته، ونَظراتٍ تَترقَّب العَصَا.. تَعلَّمتُ مِن طفُولَتي، وأَخَذْتُ مِنهَاجًا، وخَرَجْتُ شَيئًا فشَيئًا مِن خَجَلي، وتَحدَّيتُ نَفسي، زَرعتُ الثِّقَة في أَولَادي، ووَضَعتُ إيجَابيّة ضَعفي القَاتِلَة في مَسيرة أبنَائي وبَنَاتي؛ لأرَى فِيهم ومِنهم مَا فَقدتُه، وأُشعل في ذَاتي مَا أُحبط، وأُلَمْلِمُ شتَاتًا مَزَّق مسيرة نَشأتي..! أخيرًا.. وَجَّهَتْ «فاطمة الرفاعي» نَصيحة ثَمينة قَالت فِيها: «الإحبَاط مُؤلم ومُوجِع، رُبَّما لَا يَشعر بِهِ المُسلّط، ورُبّما لَا يَظهر عَلى الطّفل، ولَكن حَتمًا سيَظهر -آجلًا- ويَهزم الرّوح، ورُبَّما يَقفز بالرّوح وتَتخطّاه وتَتقدَّم.. كُونوا سَندًا لأبنَائِكم، مُشجِّعين لإيجَابيّاتهم، مُوجِّهين لأخطَائهم.. كَفَاكم كَسرًا للقَوارير، ورِفقًا بشَبَاب الغَد المُنير..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أَنْ أَهمس في أُذن كُلّ أَب وأُم وأقول: إنَّ عِبَارَات التَّعنيف والقَسْوَة والتَّحطيم؛ يَجب أَنْ تَبْقَى خَارج نِطَاقَات التَّعامُل مَع الأبنَاء، والأهم ألَّا تَكونوا سَببًا في ضيَاعهم، بمُجرَّد كَلِمَة عَابِرة لَا تُعيرونها اهتمَامًا، لَكنَّها تَبقَى مُلتصقة بجِدار عقُولهم، فتُهمِّش شَخصيّاتهم وقُدراتهم..!!!. تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©