السر المكنون في سخرية ناجي بيضون | أحمد عبد الرحمن العرفج
«ديُوك العَوْلَمَة»، كِتَابٌ سَاخِر بذَكَاء.. إنَّه كَاريكَاتير بالكَلِمَات، يَرسمها الكَاتِب الفَنَّان «ناجي بيضون»..! هَذه الكِتَابَة السَّاخِرة، التي يُمارسها العَمّ «ناجي»؛ مِن النّوع الأصعَب، بَل هي مِن النّوع؛ الذي يَتصدَّى لمُجَابهة صعُوبة مُزدوجة، وصعُوبة أكثَر في المَوقف والصيَاغَة والبِنَاء.. إنَّها كِتَابة «بيضون»، التي لَيست سُخرية لمُجرَّد السُّخرية، أو لتَقصُّد الإضحَاك، بَل هي تَوظيف للسُّخرية، ولتَوجيه وسَائل الإضحَاك في اتّجاه الكَشف، والإضَاءة المَعرفيّة، لفَضح عَنَاصر الخَلَل في التَّركيب الاجتمَاعي؛ لعَلَاقة النَّاس بالنَّاس، أو لعَلاقة النَّاس بمُجتمعَاتهم.. وحتَّى لَا نُطيل، دَعونا نَقتطف شَيئًا مِن سُخرية الأُستَاذ «ناجي بيضون»، حَيثُ يَقول: (الشِّعر ديوَان العَرَب، بَدَأ أجدَادنا بالشِّعر، ونَنتَهي إليهم بالشِّعر أيضًا، انطَلَقُوا مِن البيدَاء، فكَان لَهم شِعرهم، ونَنطَلِقُ مِن الألفيّة الثَّالِثَة، ويَكون لَنا شِعرنا.. عَلّقوا أشعَارهم عَلى جِدَار الكَعْبَة، ونُعلّق أشعَارنا عَلى شَاشة الكمبيوتر، ابتَدأت أشعَارهم بالغَزَل، وتَبدأ أشعَارنا بالغَزَل، المَوضوع فَقط هو الذي سيَختلف.. الحَاسوب الآن يَجب أنْ يَكون «حَبيبتنا»؛ التي نُعلِّق الغَزَل عَلى صَدرها، كالنَّسيج المَغزول نَنشد: قُدُرَاتُكَ صَارَتْ أَوْهَامًا وَالدُّنْيَا صَارَتْ أَرْقَاما الإنترنتُ غَدَا مَلِكًا تَنْشَلُّ الأَرْضُ إِذَا نَاما فَتَعَوْلَمْ يَا صَاح تَعَوْلَمْ واسْتَسْلِمْ إِنْ شِئْتَ سَلاَما وَأَدْخِلْ فِي رَأْسِكَ حَاسُوبًا يُفْتِيكَ حَلاَلاً وَحَرَاما خَاطِبْ حَاسُوبَكَ يَا وَلَدِي واسْأَلْهُ قُعُودًا وَقِيَاما واحْسِبْ إنْ شِئْتَ مُغَازَلَةً وتَحَسَّبْ إِنْ شِئْتَ غَرَاما أُمِّيًّا يُصْبِحُ يَا وَلَدِي مَنْ يَجْهَلُ لِلرَّقْمِ مَقَاما أَعْطَيْنَا لِلْعَالَمِ صِفْرًا لَوْلاَهُ العَالَمُ مَا قَاما فَغَدَوْنَا فِي العَالَمِ صِفْرًا قَمْعٌ وَجِيَاعٌ وَيَتَامى أَلَم أَقُل لَك إنَّه الكَاتِب «ناجي بيضون»؟، الذي يَجعلك تَضحك مِن نَفسك، وهو يَسخر مِنهَا؟ مَع «ناجي» تَشعر بسُخرية لَذيذة، تُبسّط الأمُور ولَا تُسطّحها، وتَدخل إلَى المَنَاطِق الحسّاسة، ولا تَجرحك بحسَاسيّتها، ويَكفي أنْ نَستَعرض بَعض عَنَاوين السيّد «بيضون»، لنُدرك تِلك اللَّذة التي تُدْهَن بِهَا السُّخرية، كَمَا يَدهن الرَّاشي سير المُرتشي، فمَثلاً مِن عَنَاوينه: «القبّعة وديُوك العَوْلَمَة»، و»الردّ الشّبشبي»، و»القبّعة وقنّينة الكَاتشب»، و»يَسقط مِيكي مَاوس»، و»الأسطُول والمَسطول»، و»الحِمَار الديمقراطي»، و»الفِيل الجمهُوري»، و»ديُوك الدِّيمقراطيّة»، وأَخيرًا ولَيس آخرًا: «البَغْل هو الحَلّ»..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ نُذكِّر؛ بأنَّ الكِتَابَة السَّاخِرَة هي مِن أَصْعَب الكِتَابَات، والأستاذ «ناجي بيضون»؛ رَكب هَذا الحُصَان السَّاخِر، وأَجَاد فِيهِ وأبدَع.. بَارك الله فِيهِ وفي كِتَابَاتهِ، وفِيمَا كَتَب، وفِيمَا سيَكتُب..!!. تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©