image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

يا حسرة المنفلوطي على المجتمع الأخطبوطي | أحمد عبد الرحمن العرفج

منذُ طُفولَتي وأنَا بَعض لَحم أكتَاف ثَقافَتي؛ مِن خَير أُستَاذي الأديب المِصري الكَبير «مصطفى لُطفي المنفلوطي» -أَبوجَلابية مَا غَيره، بتَاع النَّظرَات والعبَرات-، ومَازَال –رَحمه الله- يَتعهّدني برعَايته، ويمدّني بالغِذَاء المَعرفي، مِثل قَوله: (أكثَر النَّاس يَعيشون في نفُوس النَّاس؛ أكثَر مِمَّا يَعيشون في نفُوس أَنفسِهم، أي أنَّهم لَا يَتحرَّكون ولَا يَسكنون، ولَا يَأخذون ولَا يَدَعون، إلَّا لأنَّ النَّاس هَكَذَا يُريدون)..! بالله تَأمّلوا هَذا النَّص، وطَبِّقوه عَلى مَقَاسَاتِ أَنفُسِكُم، ودَوائر عَرض وخطُوط طُول حَركَاتِكُم، وستَرون أنَّ الإنسَان أصبَح مَمسوخًا، لأنَّه لَا يَفعل مَا يُريد ويَرغب، بَل يَفعل مَا يُريده النَّاس ويَرغبونه..! خُذ مَثَلاً: رَجُلٌ زَوّج ابنَته، ودَفَع تَكاليف لَا أَوّل لَهَا ولَا آخِر، وعِندَما تَسأله: لِمَاذَا فَعَلْتَ ذَلك؟ قَال: كُلُّ النَّاس يَفعلون هَذا..! مِثَالٌ آخَر: شَابٌ في أَوّل حيَاته، مَحدود الدّخل، يُكلّف نَفسه الدّيون، ويَشتري أغلَى السيّارَات بالأقسَاط، ويُسَافر بقرُوض الـ»فِيزا» والـ»مَاستر كَارد»، ويَحمل مَعه أكثَر مِن هَاتِف جَوَّال؛ مِن أَحْدَث وأَجْوَد وأَغْلَى الأجهزَة، ويَشتري رَقماً مُميّزاً للوحة سيّارته، ورَقمًا أكثَر تَميُّزًا لرَقم شَريحة هَاتفه، وحِين تَسأله: لِمَاذا تُكلِّف نَفسك كُلّ هَذه الأعبَاء المَاليّة؟ قَال: لَابدَّ أنْ أَظْهَر بالمَظَاهِر التي يَتّبعها النَّاس..! إنَّ تَقليد النَّاس ومَسْخ الذَّات، ومُجَارَاة الاستهلَاك المَرَضي للسِّلَع، سَعيًا للّحَاق برَكب المُتَفَاخرين بالبَذَخ، أَمرٌ قَديم، ذَكره أَديبنا «المنفلوطي» قَبل مَائة سَنة، حِين قَال: (إنَّك لتَرَى الرَّجُل العَاقِل الذي يَعرف مَا يَجب، ويَعلم مَا يَأخذ ومَا يَدَع، يَبيع مَنزله ليُنفق ثَمنه في عُرس وَلده أو ابنَته، فلَا تَجد لفِعلهِ تَأويلًا، إلَّا خَوفه مِن سَخط النَّاس واتّقاء مَذمَّتهم، وكَثيرًا مَا قَتَل الخَوف مِن سَخط النَّاس، والكَلَف برِضَاهم، ذَكَاء الأذكيَاء، وأَطفَأ عقُول العُقلَاء)..! حَسناً.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنَّ أَديبنا «المنفلوطي» كَان مِن المَحظُوظين؛ لأنَّه مَاتَ قَبْل أنْ يَكون شَاهِدًا – مِثلنا- عَلَى مَا أَقْدَم عَليهِ إنسَان تَعيس؛ مِن بَيع كِليته مُنذ أَشْهُر، حتَّى يَتمكّن مِن شِرَاء أَحْدَث «جِهَاز آيفون»! فلَو عَلم شَيخنا «المنفلوطي» بهَذه المَأسَاة، لرُبَّما قَال: «الحَمدُ لله أنَّني مِتُّ قَبل هَذا «..!!!. تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق