الاستسلام للهموم من طبائع «الرُّخوم» | أحمد عبد الرحمن العرفج
الهَمُّ، مِن العَوائِق التي تُجفّف مَنَابِع الإبدَاع، وتُفسد أجوَاء التألُّق، لأنَّ الهَمّ دودَة تَنخُر في الرَّأس، لتُشغله عَمَّا سِوَاه، حتَّى قَال الإمَام «علي بن أبي طالب» -كَرّم الله وَجهه-: (الهَمُّ نِصفُ الهَرمِ) -أي التَّقدُّم في السِّن-، ولقَد أوصَانَا الإمَام «الشَّافعي» بطَرد الهَمِّ، لأنَّ حَمل الهمُوم مِن الجنُون، حَيث يَقول: فادْرَأ الهمَّ مَا استَطَعْتَ عَن النَّفسِ فحَمَلَانك الهمُـومَ جنُـونُ ثُمَّ أَكَّد «البُحتري» هَذا المَعْنَى، حَيثُ أوصَانَا بتَخفيف الهمُوم، قَائلاً: خَفِّض عَليكَ مِن الهمُومِ فإنَّمَا يَحظَى برَاحَةِ دَهره مَن خَفَّضَا أمَّا طَريقة «إيليا أبوماضي» في مُكافحة الهمُوم، فتَتَمثَّل في تَحجيمها، وعَدم البَحث والتَّشعُّب في تَفاصيلها، حَيثُ يَقول: وإذَا مَا أَظَلَّ رَأسَكَ هَمٌّ قَصّر البَحثُ فِيهِ كَي لَا يَطُولَا أمَّا الشَّكوَى إلَى النَّاسِ مِن الهَمِّ، فهي عَادة غَير مُجدية، إنْ لَم تَكُن مُضرّة، حَيثُ أوصَانا الرَّئيس الأمريكي الأسبَق «بنجامين فرانكلين» قَائلاً: (اخفِ همُومك، فالذين ستَكشفها لَهم لَن يَعملوا إلاَّ عَلى مُضَاعفتها)، ومِن طَريف مَا يُروَى؛ أنَّ أَحدهم شَكَا إلَى صَديق هَمَّه قَائلاً: (لقَد بَدأتْ ذَاكرتي تَضعف، ولَا أَعرف مَاذا أَفْعَل؟ فقَال الصَّديق عَلى الفَور: اقرضني 1000 ريال، وسأَدلّكَ عَلى عِلَاجٍ فَعّال)، والصَّديق هُنَا لَيس نَاصِحًا أَمينًا، بَل استَغلّ ضَعف ذَاكرة صَديقه، ليَطلب مِنه مَالاً، فلَن يَتذكَّر القَرض حتَّى يُطَالِب بسَدَاده..! وأَخيرًا، فإنَّ للهمُوم جَانبًا مُشرقًا، وهو أنَّها إذَا دَاهَمَت الإنسَان في أيَّام الشَّبَاب، ستَدفعه للتَّحرُّك والبَحث عَن حَلّ، بخِلَاف الهمُوم التي تُدَاهم الإنسَان في آخر العُمر، حَيثُ انتبَه أَهل ألمَانيا الكِرَام إلَى ذَلك، فقَالوا في أمثَالهم: (الهمُوم في الصِّبا مِثل الورُود، وفي الشّيخُوخَة مِثل الجِرَاح في الظَّهر)..! حَسنًا، مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ نَتَّفق عَلى أنَّنا كُلّنا نَهرب مِن الهمُوم، مَا عَدا المَجانين، ولأنَّ الشِّعر وَثيق الصِّلَة بعَالَم الجنُون، فقَد لَخَّص هَذه الفِكرَة الشَّاعِر «مسعود سماحة»، حَيثُ يَقول: أَقْسَمتُ لَو قَدَّروا لِي أَنْ أَعيش بِلَا هَمٍّ خَليًّا من الأوصَابِ والعِللِ لكَان هَمِّي أَنْ أَسعَى مُبَاشرة للهَمِّ، فالهَمُّ مِثلُ القُوتِ للرَّجُلِ! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©