المفاهيم والمصطلحات في خدمة الاحتجاجات | أحمد عبد الرحمن العرفج
ذَكرتُ في مَقالٍ سَابقٍ؛ أنَّ المَفاهيمَ والمُصطلحَاتِ لَيست حِكرًا عَلى دُعَاة الحَقِّ، والخَير والجَمَال، بَل هي رَهن إشَارة كُلّ مَن يَمدّ يَده إليهَا، سَوَاء كَان يُريد تَوظيفها في غَايَاتٍ نَبيلة، أو كَان يُريد استغلَالها في التَّدليس والرَّذيلَة.. وسأُضيف اليَوم وغَدًا أَمثِلَة أكثَر قُربًا إلَى العَقليّة العَربيّة، مُعزّزَة بشَواهِدَ حَديثة، لَا تَحتاج إلَى إنعَاش الذَّاكِرَة..! حِين جَاء مُصطلح «الرَّبيع العَربي»، قَبل خَمس سَنوَات، طَغَى عَلى المَشْهَد كَمٌّ هَائِلٌ مِن التَّلاعُب بالمُصطلحَات والمَفاهيم، فأصبَح لكُلِّ خَبَرٍ عِدَّة صيَاغَات، وعِدَّة قِرَاءَات، فتَضرب الرِّوايَات بَعضها، بهَدَف نَسف أيّ مِصدَاقيّة لَهَا، ولَم يَعُد القَارئ المُحايد قَادرًا عَلى التَّمييز بَين الحَقيقَة والكَذِب، في خِضمِّ الأحدَاث اليَوميّة المُتسَارعة في الدّول العَربيّة، التي تَأثَّرت مُباشرةً بالثَّورَات العَربيّة، خَاصَّة في مِصر، باعتبَارها مَصنع القَوالِب الإعلَاميّة التَّقليديّة..! فحِين كَانت تَخرج مُظَاهرات يَوميّة ضِد السُّلطَات هُنَاك، وتَحدُث عَلى إثْرهَا مُصَادمات واشتبَاكات بَين المُحتجِّين مِن جِهَة، ورِجَال الأَمن والمُؤيّدين للسُّلطَات مِن جِهةٍ أُخرَى، اختَلفَت العَنَاوين والتَّغطيّات؛ بحَسب وجهة نَظر الجِهَة التي صَاغت الخَبَر، وسنَتنَاول اليَوم الصُّورة الإعلَاميّة التي رَسَمَها «المُتظَاهرون»، عَلَى أنْ نَتنَاول غَدًا -إنْ شَاء الله- الصُّورة المُضَادة التي رَسَمتهَا «السُّلطَات»..! يَقول الخَبَر الافترَاضِي الذي مَثَّل وجهة نَظر المُحتجِّين: (خَرَجَتْ مُظَاهرة مليونيّة سِلميّة؛ شَارَكت فِيهَا كُلّ فِئَات المُجتَمَع، للمُطّالَبَة بحقُوقها المَسلُوبَة عَلى أَيدي طُغمَة فَاسِدة مُستبدَّة، تَعْبَث مُنذ عقُود بمُقدَّرات البِلَاد، وتُعطِّل كَافة مُؤسَّساتها القَانونية والإعلَاميّة والاجتمَاعيّة، وقَد أثَارت هَذه الهَبَّة الشَّعبيّة حَفيظة النِّظَام الفَاسِد، فحَشَدَ قوَّاته، لَا لمُحَاربة أعدَاء الوَطن عَلى الثُّغور والجَبَهَات، بَل للتَّنكيل بالمُوَاطنين الشُّرفَاء العُزّل، لا لذَنب اقتَرفوه، وإنَّما عِقَابًا لكُلِّ مَن يَتجرَّأ عَلى المُطَالبة بحقُوق الفُقرَاء، وحرّية المُغيَّبين في غياهب المُعتَقلات، ولَم يَستثنِ البَطش حُرمة النِّسَاء، ولا شَيخوخة العَجَائِز، ولَا بَرَاءة الأطفَال.. كَمَا حَرَّضت السُّلطَات الفَاسِدَة «بَلطجية» مَوتورين، وجَيَّش أذنَابه المُنتفعين مِن استمرَار الفَسَاد، ومَن استطَاع تَأليبهم ضِد الشَّعب مِن شَرذمة الحَاقدين، وأصحَاب السَّوابِق، مِن قَتَلَة ومُجرمين، حَيثُ فتح لَهم أبوَاب السُّجون، مُقَابل القَضَاء عَلى ثَورة الشَّعب الأبي، ووَأْد أحلَامه وتَطلّعاته، للخَلَاص مِن هَذا الكَابوس، الجَاثِم عَلى صَدر الوَطن والمُواطنين، وقَد تَعَاهد شُرَفَاء الوَطن، بمُواصَلة التَّظَاهر السِّلمي، مَهما كَلّف ذَلك مِن تَضحيّات)..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي الوَجه الآخَر للقصّة؛ بعيون وأقلَام السُّلطَات الرَّسميّة ومُؤيّديها في دِوَل الرَّبيع -آنذَاك- وسنَستعرضه غَدًا -إن شَاء الله- بنَفس الطَّريقَة..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©