الإخلاص للمهنة.. بالصبر على المحنة | أحمد عبد الرحمن العرفج
الصَّحفِي، يَجب أَنْ تَكون لَه استقلَاليّة، وقَبل ذَلك شَخصية، يُواجِه بِهَا العَالَم، ويَعتَمد عَلى مَوهبته في كِفَاحِهِ وإصرَارِه، وإخرَاج مَادَّته الصَّحفيّة؛ بالشَّكل الذي يُرْضِي ضَميره، قَبل أَنْ يُرضي مُديره..! وحتَّى لَا أَسْتَرْسِل في الكَلَام المُرْسَل، دَعونَا نَستَشهد بهَذه القصّة، التي ذَكرها الأُستَاذ القَدير «محمد توفيق»؛ في كِتَابه «أوليَاء الكِتَابَة الصَّالِحُون»، عَن الصَّحفي الشُّجَاع، والمُثقَّف المُخْتَلِف «محمود عوض»، حَيثُ يَقول: (حِين أَجْرَى «محمود عوض» حِوَارًا مَع «أُم كُلثوم»، سَأله «إحسان عبدالقدوس»، رَئيس تَحرير «أخبَار اليَوم» في ذَلك الوَقت: (هَل أَطْلَعْتَ «أُم كُلثوم» عَلى الحِوَار قَبل نَشره)؟ فرَدَّ عَلى الفَور: (مُنذ مَتَى نَسمح لأَحَد بالتَّدخُل في عَملنا)؟ غَير أَنَّ «إحسان» عَاجَله بسُرعة: (إنَّها لَيست أَيّ أَحَد، إنَّها «أُم كُلثوم»)..! لَكن هَل رَضَخَ الصَّحفي المِصري «محمود عوض»؛ لأَوَامِر رَئيس التَّحرير؟ يُضيف الأُستاذ «محمد توفيق» فِي نَفس الكِتَاب قَائلاً: (وَافَق «عَوَض» عَلى عَرْض الحِوَار عَلى «أُم كُلثوم»، وعِندَما زَارَها في مَنزلها، أَبْدَت اعترَاضًا عَلى جُملَةٍ؛ يَفتَتحُ بِهَا مُقدِّمة الحِوار مَعها، فغَضبَ وسَألها: «مَن مِنَّا يَفهم في الغِنَاء أَكثَر.. أنَا أَم أَنتِ؟» فرَدَّت قَاطِعَة: «أنَا طَبعًا»، فقَال لَهَا بسُرعَة: «إِذًا فالكِتَابَة عَملي، وأَنَا أَفهمه جَيدًا، ولَن أُغيِّر المُقدِّمة». لَكن «أُم كُلثوم» هي التي غَيَّرت طَريقتها مَعه، ومَوقفها مِنه، واحتَرمت مَوهبته، وقَدَّرت إخلَاصه لعَمله، وقُدرَاته الخَاصَّة والاستثنَائيّة، وامتَثلت لَه)..! بَعد هَذه القصّة المُحْزِنَة والمُفْرِحَة -مُحْزِنَة لأنَّ رَئيس التَّحرير طَلَب أَخْذ رَأي الضَّيف، ومُفْرِحَة لأنَّ الصَّحفي تَمسَّك برَأيه- بَعد هَذه القصّة دَعونَا نَسأل: هَل مِن المِهنيّة أَنْ نَعرض عَلى الضّيوف؛ مسودَّة الحِوَار قَبل نَشره؟ بالتَّأكيد ستَكون الإجَابَة عَلى قِسمين: قِسم يُؤيِّد ذَلك، مِن بَاب التَّأكُّد مِن إجَابَات الضَّيف، وقِسم يَقول لَا، و»لَا» كَبيرة، لأنَّ الضَّيف قَال مَا قَال، ومِن المُحتَمل أنْ يَتَرَاجَع عَنه..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أَنْ نُشير إلَى أنَّ كُلّ التَّدخُّلَات؛ قَد تَكون أحيَانًا مَقبولة، باستثنَاء التَّدخُّل في مُقدِّمة الحِوَار، لَكن سَمعنا أكثَر مِن مَرَّة؛ أنَّ بَعض الضّيوف يَتدخَّلون؛ لَيس في المُقدِّمات والصِّيَاغَات فَقط، بَل حَتَّى في العَنَاوين، والإخرَاج والمَانشيتَّات..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©