داء الخجل.. وَهْمٌ طويل الأجل | أحمد عبد الرحمن العرفج
كُنتُ في الصِّغر طِفلاً خَجولاً، أو خَجِلاً -عَلى خِلَاف بَين اللُّغويين-، هَذه الفضيلَة أو الميزَة التي كُنتُ أتمتّع بِهَا؛ دَفعتني للبَحث في مَفهوم الخَجَل، مُحاولاً فَهْم سَبَب خَجَلِي الطُّفولي، الذي لَم يَكُن لَه مَا يُبرِّره..! أَكثَر الأطفَال الآن يُعانون مِن الخَجَل، وكَثيرٌ مِن النِّسَاء والرِّجَال يُعانون مِنه أَيضاً.. هَذه المُعَانَاة الشَّامِلَة -التي تُشبه أَسلحة الدَّمَار الشَّامِل- تَضعنا أَمَام سُؤَال كَبير يَقول: لِمَاذا يَشعر المَرء بالخَجَل؟ هَل بسَبَب قِلّة الاحتكَاك بالنَّاس؟ أَمْ أَنَّ الخَجول يَمنح ذَاته تَقديراً أكبَر مِن حَجمِهَا؟ أَم أنَّ الخَجَل عَادَة ورَاثيّة نَكتسبها مِن الأَهْل، والسَّبب الوِرَاثي سَبَب جَميل، لأنَّه يَجعلنا نُحمِّل نَقَائِصنا عَلى غَيرنا؛ مِن أُمورٍ بَيولوجيّة، لَا أَحَد يَستطيع مُجادلتنا فِيهَا..! لقَد بَحثتُ عَن أسبَاب الخَجَل كَثيراً؛ عِندَ الشُّعرَاء والفَلَاسِفَة، والحُكمَاء والأُدبَاء، ولَم أَجد مَن يَقنعني بتَفسير ظَاهرة الخَجَل؛ سوَى الأَديب الطَّبيب «أحمد خالد توفيق»، حَيثُ شَرَح لِي -مَشكوراً- حَالة الخَجَل التي كَانت تَنتَابني في طفُولتي، قَائِلاً: (الخَجَل يَنبع مِن تَوهُّمك لأهميّة مُبالغ فِيهَا لنَفسك، فأَنتَ لَستَ مُهمًّا كَما تَعتَقد، بَل لَستَ مُهمًّا عَلَى الإطلَاق، ولَيس هُنَاك شَخص مُتفرِّغ لمُراقبة خَلَجَاتك وأَخْطَائك)..! هَذا مَا قَاله الطَّبيب الأَديب.. صَحيح أنَّه «وَبَّخني»، ولَكنَّه كَشَف لِي الحَقيقَة، فعَرفتُ لِمَاذا كُنتُ أَشعُرُ بالخَجَل..! إنَّ كَثيراً مِنَّا أَكَل مَقلباً في نَفسه، لذَلك يَمنح ذَاته مَكَانَة؛ لَا يَتّسع لَها جَسده الضَّعيف، لأنَّ إحسَاس الإنسَان بمَكانته العَالية، يَجعله مُتردِّداً خَجِلاً، بسَبَب خَوفه مِن النَّاس؛ الذين لَا يَثق بتَقديرهم واحترَامهم لَه..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ أُنَادي بأعلَى صَوتي قَائلاً: هُنَاك مَن يَخلط بَين الحيَاء والخَجَل، فالحيَاء شُعبةٌ مِن الإيمَان، ولَابدَّ مِن التَّمسُّك بِهِ، أمَّا الخَجَل فهو عَادَة سيّئة، تَأتي بسَبَب تَقديرنا المُصطنَع لأَنفسِنَا وذَواتِنَا..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©