توجُّس الفؤاد من شُحِّ السَّواد..! | أحمد عبد الرحمن العرفج
وَرَق الجَرَائِد لَا قِيمة لَه، فإذَا اختَلَط بالحِبر، تَحوَّل إلَى صُحفٍ مَقروءةٍ مَنشُورة، تُعطي النَّاس الخَبَر والمَعلُومَة والرَّأي والمَشورَة..! لقَد سُئِل أَديبنَا المُحامي الشَّهم «محمد سعيد طيّب» عَن الصُّحف فقَال: (سَوَّد الله وَجهها).. ولَمَّا غَضِبَ أَهْل الشَّأن في الصَّحَافة مِن عِبَارته قَال: (تَمهَّلُوا.. إنِّي لَكُم مِن المَادحين، فالصَّحَافَة لَو لَم تَتَّشِحُ بسَوَاد الحرُوف؛ فلَن يَكون لَهَا مَعنَى)..! أَكثَر مِن ذَلك، سُئِل أَديب عَربي: لِمَاذا تَكتُب؟ فقَال: (أكتُب لأنَّني أَكرَه الأورَاق البَيضَاء.. فهي تُذكِّرني بأكفَانِ المَوتَى).. ولَعلَّ أَطْرَف مَا يَتعلَّق ببيَاضِ الوَرَق، مَا ذَكره الأُستَاذ «محمد توفيق» في كِتَابه: «أوليَاء الكِتَابة الصَّالِحُون» - قَبل عَشرَات السِّنين- حَيثُ قَال: (نَشَرَت الوَقَائِع المِصرية قَرارًا جَاء فِيهِ: «نَظرًا لِمَا تَنشره الصُّحف مِن المَقَالات، التي تَخلُّ بسُلطة الحكُومَة، والتي مِن شَأنها الإغرَاء عَلى إحدَاث إضرَابَات، ستَكون الرّقَابَة سَابقة للنَّشر ابتدَاءً مِن 6 مَارس»، ولذَلك ظَلَّت الصُّحف لفَترَةٍ؛ تَصدر بِهَا مسَاحات بَيضَاء، كَان بِهَا مَوضُوعَات أَلغَاها الرَّقيب)..! بَعد هَذا أَقول: إنَّ مَنظر الوَرق مُخيف؛ إذَا كَان خَاليًا مِن السَّوَاد، لأنَّه يُذكِّر بالأكفَان - كَما قَال الأَديب العَربي -، ومُخيف أكثَر إذَا كَان مُلطَّخًا بالحِبر؛ عِند مَن يَعرفون مَعنَى الكِتَابَة، وطَريقة مَسك القَلم ورَسم الحرُوف..! إنَّ الوَرقَة البَيضَاء مُغرية، لأنَّها تُغازل الحرُوف، كَما أنَّ القَلم خيل، لَا يُحبّ القيُود ولَا اللّجَام، حَتَّى لَو كَان لجَامًا مِن ذَهب، لذَلك تَبدو العَلَاقة بَين الوَرقة والقَلم، مِثل العَلَاقة المُتوتِّرة بَين الخيل والمضمَار، عَلى اعتبَار أَنَّ الكِتَابَة فرُوسيّة تَتَّسمُ بالصِّدق، وتَتوشَّحُ بالصَّرَاحَة، وتَتدثّرُ بالخِبرة المُتّكِئَة عَلى المَعلومات، والأَدلَّة والشَّواهِد..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أَنْ نَقول: أيُّها النَّاس انظرُوا إلَى الوَرقةِ البيضَاء، فإذَا استَفزّكم البيَاض؛ فاذهَبُوا إليهِ بَعد أَنْ تُدجِّجوا أَنفُسَكُم بالقِرَاءة، ثُمَّ القِرَاءة، وشَيء آخَر هو القِرَاءَة..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©