الأجوبة البهية في تأصيل مفردة «حنفية» | أحمد عبد الرحمن العرفج
التَّحايُل عَلى النَّاس؛ مِن أَجْل تَمرير فِكرة مُعيَّنة، أو إدخَال وَسيلة جَديدَة، قَديمٌ قِدَم الزَّمَان. ومَن يَتتبَّع التَّاريخ الاجتمَاعي لأي مُجتَمع، سيَجد فِيهِ الكَثير مِن القصَص؛ التي تُؤكِّد هَذا التَّحايل، ولَن أَضرب -هُنَا- مِثالًا عَلى التَّحايُل مِن البيئَة السّعوديّة -نَظرًا لحسَاسية النَّاس- بَل سأَتّجه إلَى مِصر في القَرن المَاضي، لأنَّ قلُوب النَّاس وعقُولهم في ذَلك القَرن؛ كَانت أَرْحَب وأَوسَع، وتَتقبَّل الأَخذ والعَطَاء، والنِّقَاش والجَدَل..! كُلُّنَا نَعرف مَا هي «حَنفيّة المَاء»، ولَكن لَم نَتوقَّف قَليلًا ونَسأل أنفسنَا: لِمَاذا سُمّيت بهَذا الاسم الغَريب، وتَجاهلنا أنَّ اللُّغة العَربيّة تُسمّيها «صَنبور المَاء»..؟! لقَد بَحثتُ، فوَجدتُ عَشرَات المَراجِع التي تَذكر قصّة وَاحِدَة؛ ولَكن بسيَاقَاتٍ مُختَلفة، ومَضمون هَذه القصّة يَتلخَّص في التَّالي: («الصّنبور» يَعود إلَى عَهد «محمد علي الكبير»، فحِين بَنَى مَسجد «محمد علي» بالقَلْعَة، وزَوّده بصَنَابير الوضُوء، بَدلًا مِن الطَّاسَات والأكوَاز -كَما كَان سَائِدًا- عَارضه فُقهَاء مَذَاهب «الحنَابلَة والشَّافعيّة والمَالكيّة»، مُعتبرين «الصَّنابير» بِدعَة فى الدِّين، بخِلَاف فُقَهَاء «الأحنَاف»، الذين رَأوا جَوَاز الوضُوء مِن الصَّنابير، لأنَّها تَرفع المَشقَّة عَن المُسلمين، لذَلك سُمّي الصّنبور «حَنفيّة»، نِسبةً إلَى المَذهب الحَنفِي)..! وهُنَاك بَعض المَراجع؛ تُرجِّح بأنَّ جَبهة المُمَانعة -التي كَانت تَرفض فِكرة «الصّنبور»- كَانت تَتكوَّن مِن السُّقاة، الذين كَانوا يَشعرون بأنَّ «حَنفيّة المَاء» تُهدِّد رِزقهم، إذْ لَم يَدُر في ذِهن أَحد مِنهم، أنْ يَأتي يَوم يَجدون فِيهِ أَنفسهم؛ قَد فَقدوا وَظيفتهم، التي لَا يَعرفون غَيرهَا؛ لأنَّ المَواسير امتدّت إلَى المَنَازل، بَدلًا مِن السُّقَاة، وأصبَح النَّاس يَعتمدون عَلى مَقَابض مَعدنيّة؛ يَتدفَّق مِنهَا المَاء، حَيثُ تَذكُر القصَص أنَّ السُّقَاة تَوجَّهوا إلَى فُقهَاء المَذَاهب الأربعَة؛ لاستصدَار فَتوَى بأنَّ مَاء مَواسير الميَاه لَا يَصلح للوضُوء، فصَدَّقهم فُقَهَاء «الشَّافعيّة والمَالكيّة والحَنَابِلَة»، وأَفتوا بأنَّه لَا يَجوز الوضُوء مِن مَاء الصَّنابير..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أَنْ أُشير إلَى أَنَّ النَّاس تَرفض الأشيَاء في البدَايَة، ثُمَّ تَتهَافَت عَليهَا، وتَتمسَّك بِهَا، ومِثل قصّة «حَنفيّة المَاء» تَكرَّرت كَثيرًا، وكَأنَّ التَّاريخ يُعيد نَفسه، فقَد تَكرَّرت مَع المَايكروفون، وتَعليم المَرأة، وغَيرها كَثير، حَتَّى أصبَحنَا -في بَعض الأحيَان- بحَاجةٍ إلَى التَّحايُل، لنَتمكَّن مِن إدخَال أَي شَيء مُستَحْدَث يَتقبَّله النَّاس..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©