من الحِكم النابهة.. ألا وجود للقراءة التافهة | أحمد عبد الرحمن العرفج
أَحيَانًا يَجب أَنْ تَدخل في دَائرة المَرَض؛ لتَعرف قِيمة الصّحة، وتُجرِّب السّجن؛ لتُدرك قِيمة الحريّة، وتَرتَاد الحُزن؛ لتَعرف مَذَاق السَّعادة.. وهَكذا هي الدُّنيا لَا تُظهر جمَاليّات الأشيَاء؛ إلَّا بوجُود صور القُبح، كَما قَال المُتنبِّي: (وبضدّها تَتبيّنُ الأشيَاءَ)..! مَثلًا: رُوي عَن الصَّحابي الجَليل «حُذيفة بن اليمَان» أنَّه قَال: (كَان النَّاس يَسألون رَسول الله -صلّى الله عليه وسلم- عَن الخَير، وكُنتُ أَسأَله عَن الشَّر مَخافة أَنْ يُدركني)..! هَذا مَا يَخص الخَير والشَّر.. ولَكن مَاذا عَن القِرَاءة؛ التي هي مَادتنا الثَّقافيّة، والمُحرّض عَلى الكِتَابة؟. لَن أُجيب عَن هَذا السُّؤال، بَل سأَتركه إلَى شَيخ القُرّاء والكُتّاب، وأَعني بِهِ مَولانا «عبَّاس محمود العقّاد» -رَحمه الله-، فقَد دَخَل عَليه -ذَات مَرَّة- الشَّاعر الكَبير «صالح جودت» فسَأله: (مَاذا تَقرَأ الآن يَا أُستَاذنا؟ فأجَاب: أقرَأ كِتَابًا عَن المُمثِّلة الفرنسية «بريجيت باردو». فرَدّ «جودت» مُندَهِشًا: الأُستَاذ «العقّاد» يَقرَأ عَن «بريجيت باردو»؟! فقَال «العقّاد»: نَعم، فلَيس هُنَاك كِتَاب أقرَأه ولَا أَستفيد مِنه شَيئًا جَديدًا، فحَتَّى الكِتَاب التَّافه، أَستفيد مِن قِرَاءته أنِّي تَعلمتُ شَيئًا جَديدًا هو: مَا التَّفَاهَة؟ وكَيف يَكتب الكُتَّاب التَّافهون؟ وفِيمَ يُفكِّرون؟)..! إنَّ الرَّجُل الحَصيف يَقرأ في كُلِّ الفنُون، لأنَّ هَذا سيَجعل عَقله كسَلّة الفَوَاكِه المُتنوِّعة، والمُختلفة في اللّون والشَّكل، والمَذَاق والرَّائِحَة.. والتَّعدُّد في مَجَالات القِرَاءَة؛ يَعصم الإنسَانَ مِن الجَهل، ويُحصّنه مِن التَّوتُّر، ويُنقذه مِن التَّطرُّف.. ويَا حَسرةَ عَلى شَيخنا «العقّاد»، فقَد مَاتَ قَبل أَنْ تَنفجر المَعرفة هَكذا انفجَار، وقَبْل أَن تُصبح المَعرفة خُبزًا؛ يَتنَاوله النَّاس مِن مَخبز الشّيخ «جوجل»، في كُلِّ سَاعةٍ ولَحظة..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنْ نَذكُر بأنَّ المَعرفة إدمَان، والقِرَاءة عَادَة، ولَكنَّها نِعم العَادة، ولازلتُ أتذكَّر ذَلك الحَكيم؛ الذي قال بحَزنٍ -وهو على فراش الموت-: (أَكثَر مَا يُحزنني في المَوت؛ أنَّني لَن أَتمكَّن مِن قِرَاءة الكُتب؛ التي ستَصدر بَعد مَوتي)..!!. تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©