image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

الحارثي حسن.. فقيدنا وفقيد الوطن | أحمد عبد الرحمن العرفج

كَيف يَكتب مَن يَعْقد لِسَانه الصَّمت والحُزن والذُّهول؟ نَعم، هَذا مَا حَدَث مَعي عِندَما تُوفي صَديقي وأَخي وشَريكي في النَّجَاحِ، والفَلاح والكِفَاح، «حسن الحارثي» -رَحمه الله-..! كُنَّا «حسن، وطراد، وأنا» في القَاهِرَة، نَستَعد للعَودة إلَى السّعوديَّة، وبَعد أَنْ تَنَاولنا مَا تَيسَّر مِن طَعامِ السّحور؛ في أَولى لَيَالي رَمضَان، ودَّعنا «حسن» قَائلاً بنَبرةٍ غَريبَة: (مَع السَّلَامَة، وسَامحوني إنْ كُنتُ أَخطأتُ في حَقِّكم). وقَبل ذَلك بسَاعات؛ كَتَبَ في «تويتر» تَغريدة يَقول فِيهَا: (اللَّهم إنِّي سَامحتُ وعَفوتُ عَن كُلِّ مَن أَخطَأ في حَقِّي). وقَبل التَّغريدة، اتّصل بوَالدته «مسفرة» -حَفظها الله- وبَارك لَها دخُول شَهر رَمضَان، وطَلَب مِنهَا الرِّضَا والسَّمَاح، وأوصَاهَا بأنْ تَدعو لَنَا جَميعًا..! وقَبل ذَلك بسَاعَات، كُنَّا في الحُسين، فاشترَى «حسن» الخُبز ووَزَّعه عَلى الفُقرَاء؛ وهو يَبتسم بطَريقةٍ لَافِتَةٍ، تَعوَّدنا عَليهَا مِن «أبي يزيد» -رَحمه الله-. بَعد وَجبة السّحور، ذَهَب «حسن» إلَى فَراشهِ، ثُمَّ جَاءت إرَادة الله، ورَحَل عَن دُنيَانَا إثْر أَزمَة قَلبيَّة حَادَّة. دَاهمنا الخَبَر -طراد وأنا- فدَخلنا في حَالة حُزن وذهُول، مُواجهين ثَلاثة مَتَاعِب، تَعَب مِن فَقْد «حسن»، وتَعَب مِن كَيفية نَقل الخَبَر إلَى أُسرته، وتَعَب مِن إجرَاءَات نَقله إلَى جُدَّة.. لَكن «حسن» -رَحمه الله- كَان مُبارَكًا في الدُّنيَا، وأمُوره تَمشي عَلَى بسَاط اليُسر، وحَتَّى في مَماته، أَدْرَكته البَرَكَة، وحَلَّ عَليه اليُسر، فقَد تَمَّ إبلَاغ ذَويه في سَاعة، ونُقِلَ جُثمَانه إلَى جُدَّة خِلال 8 سَاعات، رَغم صعُوبة الإجرَاءَات، لِذَا لَابدَّ هُنَا مِن تَوجيه الشُّكر لصَديق «حسن»؛ وصَديقنا الأُستاذ «تركي الشبانة»، مُدير عَام قَنوَات «روتَانَا»، ومَعالي السَّفير السّعودي في مِصر، الأُستَاذ «أحمد قطَّان»، لأنَّهما كَانَا يُتَابِعَان مَعَنَا الإجرَاءَات خُطوَة بخُطوَة، حَتَّى وَصلنَا إلَى جُدَّة..! لِقَد كَانت رَغبة قَويَّة مِن «طراد ومِنِّي»، بأنْ لَا نَذهب مِن مِصر إلاَّ و»حسن» مَعنَا، وبين أَضْلُعِنَا، والحَمد لله تَيسَّر الأَمرُ، وهَذه مِن بَركَات «حسن»، الذي تَمنَّى أَن يُدْفَن في مَكَّة، والحمد لله أَنَّ أُمنيته تَحقَّقت..! بَعد هَذا دَعوني أُكلِّمكم عَن «حسن» الإنسَان، الذي عَلَّمنَا التَّسَامُح، والأخلَاق العَالية، وعِفّة اللِّسَان، رَغم أَنَّ أَكثَر الكُتَّاب والإعلاميّين مِمَّن يَتعَاطون الغيبَة، ويَفرحون بِهَا، إلاَّ أَنَّ «حسن» كَان استثنَاءً بَينهم، فلَم أَسمَعه يَومًا مُغتابًا ونَاهِشًا لـ»لحم» أَحَد، بَل كَان يُدعم ويُثني ويُشجِّع ويُسَاند؛ كُلَّ مَن يُريد النَّجَاح..! «حسن» مَات، ولَكن أفعَالَه بَاقية، فهو الذي أَعدّ حَلقَات برنَامج «صَحوة»، الذي يُعرَض كُلّ يَوم عَلى قَنَاة روتَانَا خَليجيَّة، وهو صَاحب اسم البرنَامج، كَمَا سَمَّى مِن قَبله بَرَامج مِثل: «واي فاي»، و»سيلفي»، وكَتَب بَعض حَلقَاتهما، وفَوق ذَلك هو كَاتِب سِينَاريو مِن الدَّرجَة الأُولَى، وحَاصِل عَلى مَاجستير مِن بريطَانيا في هَذَا التَّخصُّص، ومَن يُرد أَنْ يَعرف إمكَانَات «حسن» في كِتَابة السِّينَاريو، فليَسأل الكَاتِب الصَّديق «خلف الحربي»، ومَن أَرَاد أَنْ يَعرف قُدرَاته الصَّحفيَّة، فليَسأل عَنه الأُستاذ الصَّديق «محمد التونسي»، أَو يَقرَأ صَحيفة «أنحَاء» الإلكترونيَّة، التي أَنشَأها «حسن» بنَفسه قَبل سَنوَات..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أَنْ نُشير إلَى أنَّنا؛ أثنَاء تَصوير وإعدَاد حَلَقَات بِرنَامج «صَحوة»، كَان «حَسَن» -رَحمه الله- يَصرخ عَليَّ «أَنَا وطراد» قَائلاً: (أُريد أَنْ تَكون مَحاوِر البرنَامج بَسيطَة، تَفهمها أُمِّي «مسفرة» قَبل غَيرهَا)، وذَلك مِن بِرِّه بأُمِّه..! أكثَر مِن ذَلك، أُبشرِّكم أَنَّ «حسن» يُرجَى لَه الخَير الكَثير، فهو كَان بَارًّا بأُمِّه، مُحَافِظًا عَلى دِينه، ومَات صَائِمًا أَوَّل يَوم مِن رَمضَان، وهو يَوم الاثنين الذي تُعْرَض فِيهِ الأعمَال.. كُلُّ هَذه المُبشِّرَات تُخفِّف مِن أَلمِنَا ومُصَابِنَا، وتَجعلنا أكثَر أَملاً بأنْ يَتغمَّدَ الله «حسن» بوَاسِع رَحمته؛ هو وجَميع مَوتَى المُسلمين.. اللهم آمين..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق