حتمية التغيرات مع تبدل المحطّات | أحمد عبد الرحمن العرفج
كَتبتُ وأَكتُبُ وسأَكتُب -حَتَّى يَختارني الله إلَى جوَاره- عَن مَرَاِحِل النُّضج التي يَمر بهَا الإنسَان؛ بوَصفهِ كَائناً يَنمو، وتَتَّسع مَداركه يَوماً بَعد يَوم، وقَد يَستَسيغ اليَوم مَا كَان يَرفضه بالأَمس، وقَد يَستحسن غَداً مَا كَان يَستبعده اليَوم..! خُذ مَثَلاً الميدَان الفِقهي، فالإمام «الشَّافعي» حِين انتَقَل مِن العِرَاق إلَى مِصر، حَصَل لَه نُضج فِقهي كَبير، فغَيَّر أكثَر مَذهبه، ليَتوافَق مَع نموّه والبيئَة المِصرية التي رَآها..! أكثَر مِن ذَلك، الإمَام «أحمد بن حنبل»، قَد تَجد لَه في المَسألة الوَاحِدَة أكثَر مِن رَأي، والأَمر نَفسه يَنطبق عَلى الإمَام «مالك»، وغَيرهما مِن الأئمّة الأجلاّء، وهَذا يَدلُّ عَلَى حَيويّتهم الفِكريّة، وتَغيير آرَائهم، مَتَى استَجدت لَديهم مَعلُومَات، تَجعلهم يُغيِّرونها..! وسأُعطي مِثالاً حَول «شَخصي الكَريم»: لقَد كَان عِندي أفكَار؛ قَبل البِعثة العَرفجيّة للدِّراسَة العِلميّة في بريطَانيا، وحِين عُدتُ -بَعد سَنوَات- تَغيَّرت نَظرتي للنَّاس والمُجتمع، وطَريقة التَّعامل مَعه، والكِتَابة حَوله..! ولأُستاذنا الرِّوائي المَغربي الكَبير «عبدالكريم الخطيب» -رَحمه الله- رَأيٌ جَميل حَول مَرَاحِل النُّضج الفِكري، يَقول فِيهِ: (إنَّ الإنسَان لتَختلف نَظرته إلَى الحيَاة، وإلَى الأشيَاء، باختلَاف ظرُوفه وأحوَاله، فمَا يُعجبه اليَوم، قَد يَزهد فِيهِ غَداً، ومَا كَان بَغيضاً إليهِ بالأَمس، قَد يَفتنه اليَوم، فلكُلِّ طور مِن أطوَار الحيَاة عِند الإنسَان، أُفقٌ خَاص، يَرَى مِنه العَالَم الذي يَعيش فِيهِ، فتَختلف عَليه مَعالِم الأشيَاء؛ باختلَاف الآفَاق التي يَمدُّ مِنهَا بَصره إليهَا)..! حَسناً.. مَاذا بَقي؟! بَقي أَنْ نَقول: أيُّها النَّاس، تَأكَّدوا أنَّ العُمر مَحطَّات، وكُلّ مَحطّة لَهَا شَكلها الثَّقَافِي، ولبَاسها المَعرفي، وكَمَا أنَّكم تُغيِّرون مَلابسكم سَنوياً، فإنَّ الأفكَار والآرَاء لَيست بَعيدة عَن الثِّيَاب، وهَذا مَا يُسمِّيه أُستَاذنا الكَبير «محمد عابد الجابري» بـ»التِّرحَال الثَّقَافِي»، بمَعنَى أنَّ الإنسَان -مَع الوَقت- يَرحل مِن مَنطقةٍ مَعرفيَّة إلَى أُخرَى..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©