المقابر مخابر !! | أحمد عبد الرحمن العرفج
يَعرف مَن يُتابع هَذه الزَّاوية، أنَّني مُغرم بالمَشي حَول المَقَابر، وبالذَّات مَقبرة الفَيصليّة المهيبَة بجُـدَّة، وقَد تَعبتُ مِن إيضَاح سَبَب هَذا المَشي، الذي أختَصره بسَببيْن هُمَا: هدُوء المَقَابر، وقِلّة الازدحَام حَولها، وهَذا يَجعلني أستمتع بالكِتَاب الذي أَسمعه بأُذني، وأتدبَّر مَعانيه وأفكَاره..! لقَد لَامني الكَثيرون حَول المَشي بجوَار المَقابر، ولَا أَجد لهَذا اللَّوم مُبرِّراً، وحَتَّى أزيدكم مِن الدِّيوان قَصيدة، ومِن المَدينة حَارة، ومِن العِنَب عَنقوداً، أَقول: إنَّني مُتواضع في طمُوحَاتي؛ حِين أَمشي حَول المَقابر، فهُنَاك مَن يُقيم حَفَلات الزِّفاف فِيهَا، ومِن ذَلك مَا أَورده الأَديب الكَبير «أنيس منصور» -رَحمه الله-، حَيثُ قَال في كِتَابه «مَعنَى الكَلام»: (أصرّ أَحَد الحَانوتيّة -الأَصح أنْ يُقال الحَانوطي، نِسبةً إلَى الحنوط، أي التَّحنيط القَديم- عَلى أَنْ يَتم الزِّفَاف في إحدَى المَقَابر، فيَنزل العَروسَان ومَعهما المَأذون والشّهود، فالقَبر نِهَاية كُلّ حَيّ، وإنْ كَان الحَانوطيّة في الدُّنيا لَا يَأكلون العَيش، وإنَّما البَسكويت، فهي الصِّنَاعة والتِّجارة التي لا تَبور. وفي أَمريكا تُوجد مَقابر أَنيقة فَخمة، بِهَا حَدَائق وبُحيرات. يَذهب (الميّت) إلَى الحَانوطي، ويَشتري مِنه قِطعة أَرض تَطلُّ عَلى البحيرَة، ويَختار الأشجَار التي سَوف تُظلِّل قَبره، والطّيور والمُوسيقَى التي سَوف تُعزف أثنَاء الجَنَازة، وأثنَاء الدَّفن، ويَختار -أيضًا- النَّاس الذين سَوف يَبعث لَهم -مِن وَرَاء القَبر- ببطَاقَات الأعيَاد، ويَختار -قَبل ذَلك كُلّه- مَن الذين يَسيرون ورَاء نَعشه، ومَن الذين يَقفون عَلى قَبره أثنَاء دَفنه)..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي الإشَارة إلَى أنَّ للمَقَابر مَزَايَا كَثيرة، بَعضها مَعلوم وبَعضها مَجهول، ومِن غَير المَعلوم؛ أنَّ كَثيراً مِن النَّاس، يَتهرَّب مِن مُرافقتك أثنَاء المَشي، إذَا عَلِمَ أنَّك تَطوف حَول المَقبرة، وهَذا الأَمر يَجعلك تَخلو بنَفسك، وتَتأمّل الحيَاة، وتَتدبّر الكِتَاب الصَّوتي الذي في أُذنك..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com
©