image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

من يغضُّ العيون عن الفُحش والجنون؟! | أحمد عبد الرحمن العرفج

ارتَبَطَت مُفْرَدة «الفُحش» بارتفَاع الأسعَار؛ في أَغلب صِيَغ المُبَالغة، حَيثُ اعتَادت الأُذن والعَين سَماع وقِرَاءة عِبَارة: «الغَلَاء الفَاحِش»؛ حِين يَرِد ذِكر مَواسم البَيع والشِّرَاء في التَّحقيقَات، والأخبَار والمَقَالَات..! وكَم تَمنَّيتُ أَنْ أَرَى رِجَال الحِسبَة؛ وهُم يَتصدُّون لفُحش الأسعَار، لأنَّ الفَواحِش أخطَر عَلى المُجتمعَات مِن المُنكر، وتَتصدَّر الأَولويّات، باعتبَارها آفّة فتَّاكة، لَابدَّ مِن التَّصدِّي لَها بحَزم، ولَا يَكفي النّهي عَنهَا، عَلى طَريقة المُنكرَات..! وإذَا سَفّه أَحَد رِجَال الحِسبَة هَذا الرَّأي، بحجّة أنَّه مُجرَّد تَوظيف أَو تَلاعُب لُغوي بالمُفردَات، سأَقول لَه: مَعكَ كُلّ الحَقّ. «مَا عَلينَا» مِن المُفردَات والمُصطلحَات. لَكن –ومَا بَعد لَكن يَنفَع للذِّكرَى أحيَاناً- تَذكَّر أَنَّ أَوّل مُهمّة كُلِّفَت بِهَا الدُّفعَة الأُولَى مِن رِجَال الحِسبَة –عِند تَأسيسها في عَهد سيّدنا عُمر «رَضي الله عَنه»- كَانت مُرَاقبة الأسعَار والمَكاييل، ومُكافحة الغشّ، ومُعاقبة المُطفِّفين، ولَم يَرِدْ في نوَايا المُؤسِّسين الأَوائل لجِهَاز الحِسبة؛ أَنْ يَكون مِن صَميم عَملهم النَّبيل مُراقبة النَّوايَا، وتَفتيش خَبَايَا النّفوس.. حَتَّى المُنَافقون كُشِفُوا للمُصطَفَى- صَلّى الله عَليه وسلّم-، لَكنَّه لَم يُحاسبهم إلَّا عَلى مَا اقتَرفته أَيديهم، لأنَّ الله كَفيلٌ بِمَا في دَاخل الصّدور، وهو الذي يَتولّى السَّرائِر، ومَا عَلى البَشَر إلَّا التَّعامُل مَع الظَّواهِر..! وحَتَّى يَخرج المَقَال مِن سِيرة الحِسبة ودَورها، أَعودُ إلَى جُزئية الأسعَار، مُذكِّراً بجُملة أُخرَى تُنافس «الغَلَاء الفَاحِش»، وهي جُملة «جنُون الأسعَار»، لأتسَاءل: إنْ كَان مِن حَقّ المُتضرِّر مِن هَذا الجنُون؛ التَّظلُّم إلَى الجِهَات التي تَحجر عَلى المَجانين، لحمَاية النَّاس مِن تَصرُّفاتهم اللا مَسؤولة؟! فأنَا -مَثلاً- ذَهبتُ مرَّة لأُخرج أَحَد الأقَارب مِن مُستشفَى الصِّحة النَّفسيّة - بُناءً عَلى طَلبه-، وحِين قَرأتُ الإقرَار الذي يَجب أَنْ أُوقِّع عَليه، قَبل استلَام المَريض، تَردَّدتُ في إتمَام الأَمر، لأنَّ هُنَاك فَقرة تَعتبرني مَسؤولاً عَن أَي تَصرُّف يَصدر مِن المَريض، تِجَاه المُؤسَّسات والأفرَاد، وأَتحمّل كُلّ التَّبعَات القَانونيّة والمَاديّة؛ المُترتِّبة عَلى سلُوكيَّاته، فالمَريض النَّفسي لَيسَ وَاعياً بتَصرُّفاته، وَلا يُحاسَب عَليها، بَل يَقع ذَلك عَلى كَاهِل الأشخَاص المَسؤولين عَنه، وحِين يَغيب عَن نَاظري، سأَعيش أسوَأ الكَوابيس، وسأتكَهَّن بأَسوَأ السّينَاريوهَات التي يُمكن أَنْ تَحدُث -لَا قَدّر الله-..! حَسنًا.. مَاذا بَقي؟! بَقي أنَّنا إذَا فَقدنَا السَّيطرَة عَلى الأسعَار، فسنَبْحَث عَنهَا في أَوكَار الفُحش، أَو فِي سلُوكيَّات الجنُون، وكُلّنا نَعرف أَنَّ الفَحشَاء والجنُون لَا يَستَطيع الإنسَان العَادي التَّصدّي لَهما، فالتَّساهُل مَع الفُحش، سيَسمح لَه بالتَّحوُّل إلَى وَحش، كَمَا أنَّ الجنُون لَيس كالفنُون، مَهمَا حَسُنت الظّنُون..!! تويتر: Arfaj1 Arfaj555@yahoo.com

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق