حين تستبد المشاعر تخدعنا المظاهر!!
آليَّة عَمَل العَقْل عِندَ الإنسَان؛ عَمليَّة مُعقَّدَة، وقَد حَاول كَثيرٌ مِن المُتخصِّصين فِي حَقْل التَّنمية البَشريَّة، أَنْ يَتوصَّلوا إلَى بَعض الحلُول لفَهم هَذه الآليَّة، التي أَودعها اللهُ فِي عَقْل الإنسَان، وطَريقة تَفكيره..!ومِن أَبسَط هَذه الدَّوائِر، أَنَّ الإنسَان إذَا كَرِهَ شَيئًا، وبَدأ يُفكِّر بتَركه والرَّحيل عَنه، فإنَّ عَقله البَاطن يَبدأ -مُبَاشرةً- في إبرَاز سَلبيَّات الأَشيَاء التي بَدَأَ يَكرهها، ويُهيِّئ لَه مَحَاسِن وجَمَاليَّات الأشيَاء التي سيَتَّجه إليهَا..!وهَذه النَّظريَّة لَيست بجَديدة، فقَد عَرفهَا الإنسَانُ مُنذ مِئَات السِّنين، ولَخَّصها الشَّاعِرُ «الشافعي»، حِين قَال فِي بَيتهِ الشَّهير:وعَينُ الرِّضَا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلةٌوَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا!وهَذا المَقال يَودُّ أَنْ يَشرَح للنَّاس هَذه النَّظريَّة البَسيطَة، وحتَّى أَكونَ أَكثَر وضُوحًا، دَعوني أستَشهد بقِصَّة حَدَثَت لِي -ورُبَّما حَدَثَت لَكُم-: لقَد كُنتُ أَسكُن فِي شقَّةٍ بالمَدينة المُنيرة لسَنوَات، وأَنَا سَعيدٌ بِهَا ومُستقرُّ فِيهَا، حَتَّى نَشِبَ بَيني وبَين بَعض أَهْل الحَارَة خِلافٌ، فبَدَأَتْ عَيني تَنظُر إلَى الشقَّة بعَينِ الكَراهية، وأَخَذَتْ هَذه الكَراهيةُ تَزدَاد يَومًا بَعد يَوم، حَتَّى أَنَّني أَصبَحتُ كُلَّما دَخلتُ الشقَّة، أَتخيَّلهَا سِجنًا مُوحِشًا، رَغم أَنَّ الشقَّة لَم تَتغيَّر، ولَم يَتغيَّر فِيهَا شَيء، بَل نَظرتي إلَى الشقَّة هي التي تَغيَّرت، فأَصبَحَت قَبيحةً، رَغم أَنَّ الشقَّة هِي نَفسها؛ التي كَانت بالأَمس تُسعدني وتُفرحني..!بَعد هَذه القصَّة، تَأكَّد عِندي أَنَّ الأشيَاء بطَبيعتهَا مُحَايدة، ونَحنُ الذين نُعطيها سِمَاتها وفق تَصوُّراتنا، ونُلوِّنها بالألوَان التي نُريدها، فإذَا أَحببنَاهَا قُلنا: هي الجنَّة، وإذَا كَرهنَاهَا قُلنا: هي نَارُ اللهِ المُوقَدَة..!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي أَنْ نَقول: إنَّ قصَّة الثَّعلَب مَع حَبَّة العِنَب؛ هِي خَيرُ دَليل عَلى هَذه النَّظريَّة، فأَخونا الثَّعلَب حَاولَ مَرَّةً ومَرَّتين؛ أَنْ يَقفزَ ويَتطَاولَ ليَقطفَ حَبَّةَ عِنَبٍ، ولَكنَّهُ حِينَ يَئسَ مِن تَحقيقِ مُرَادِهِ، بَصِقَ عَلَى حَبَّةِ العِنَبِ، مُحاولاً إقنَاعَ نَفسِه بأنَّه انتَصَرَ عَليهَا، قَائِلاً: «أَنَا مُتأكِّدٌ مِن أَنَّكِ حَامِضَةٌ يَا حَبَّة العِنَبِ»..!!
©