تشكيل جبهة ممانعة لآفة المقاطعة!!
صِرتُ أَجد صعُوبَةً حِينَ أَتحدَّثُ إلَى شَرائح -غَير قَليلةٍ- مِن المُجتَمعِ، وبالذَّات حِين يَكونُ الحَديثُ مَع النِّسَاءِ.. ومَنبعُ المُشكِلَة؛ فِي المُقَاطعاتِ التي تَتمُّ أَثنَاءَ الكَلَام، حَتَّى أَنَّكَ لَا تَكادُ تُكملُ جُملةً وَاحِدَةً، إلاَّ وقد استَوقفَك هَذا المُستمعُ؛ أَو تِلكَ المُستمعَةُ، والمُقَاطعةُ -غَالبًا- لَا تَكونُ لأمرٍ هَامٍّ، بَل هِي مُقَاطعاتٌ تَحدُثُ للتَّعبيرِ عَن عَواطِف ومَشَاعِر، تَخصُّ المُستمعَ أَو المُستمعَةَ نَفسهَا..!وحَتَّى لَا نَضيعَ في صَحرَاءِ التَّنظير، دَعونَا نُقرن المَقالَ بالمِثَالِ: كُنتُ مَرَّةً أَتحدَّثُ إلَى إحدَى قَريبَاتِي، وأَحكِي لَهَا قصَّةً مِن القصَصِ، فقُلتُ: «كُنتُ فِي القَاهِرَةِ ذَات مَرَّةٍ..»، ولَم أُكمل الجُملَةَ حَتَّى قَاطعتنِي قَائِلَةً: «أَنَا لَا أُحبُّ السَّفَرَ إلَى القَاهرةِ». تَحمَّلتُ هَذه المُقَاطعةَ، ثُمَّ استَرْسَلتُ فِي القصَّةِ قَائِلاً: «حِين أَكونُ فِي القَاهِرَةِ؛ أَحرصُ عَلى شِرَاءِ الكُتبِ..»، فقَاطعتنِي قَائِلَةً: «أَنَا لَا أَطيقُ القِرَاءَةَ؛ وإذَا قَرأتُ نِصفَ صَفحةٍ دَاهمنِي النَّومُ». ثُمَّ تَحمَّلتُ هَذه المُقَاطَعَةَ أَيضًا، لأرتَشفَ الشَّايَ الأخضَرَ، كَي أُبلِّلَ رِيقِي، الذي جَفَّ مِن المُقَاطعةِ، فأكمَلتُ القصَّةَ قَائِلاً: «مَا يُميِّزُ القَاهِرَةَ، هُو هَذا النَّشَاطُ البَشريُّ المَحمومُ، الذي يَبدأ كُلَّ صَبَاحٍ، وتَسمعُهُ مِن بَائعِي الفُولِ، ثُمَّ قَاطعتنِي السيَّدةُ قَائِلَةً: «أَنَا عِندِي حَسَاسيَّةٌ مِن الفُولِ، لِذَا لَا آكلُه»..!بَعدَ هَذه المُقَاطِعَاتِ، حَاولتُ أَنْ أُغيِّرَ القصَّةَ، لَعلَّ المُحَادثةَ تَتحسَّنُ، فقُلت: «لقَد نَزَلَتْ إلَى الأسوَاقِ أُغنيةٌ جَديدةٌ لـ»محمد عبده»، مِن كَلِمَاتِ الصَّديقِ الشَّاعِر «عبداللطيف آل الشيخ».. حِينهَا قَاطعتنِي قَائِلَةً: «أَنَا لَا أَسمعُ أَغَانِي «محمد عبده»، لأنَّه يَبدُو مَغرورًا».. وهَكَذَا استمرَّت المُحَادثةُ مُلوَّنَةً بالمُقَاطعاتِ، لَيست المُقَاطَعَة الإسرَائيليَّة، بَل المُقَاطَعَة التي تَتمُّ؛ حِين تَتحدَّثُ إلَى الشَّرَائِحِ النِّسَائيَّةِ..!هَكَذا، وكَمَا تُلاحظُونَ، تَتمُّ المُحَادثاتُ بَين النَّاسِ، ثُمَّ يُقاطعُونَكَ مِن أَجلِ إبدَاءِ مَشَاعرِهم البَسيطَة، التي لَيست مُهمَّةً فِي مَسَارِ الحَديثِ، ومِن الغَريبِ أَنَّ هَذِه الظَّاهِرَةَ تَتزَايدُ يَومًا بَعد يَومٍ، وكَأنَّنا نَحتَاجُ إلَى فَرمتَةٍ، تُعيدُ لَنَا فَنَّ الإصغَاءِ الذي فَقدنَاهُ. والمُصيبَةُ لَيست فِي المُقَاطعةِ وَحدَهَا، بَل فِي المُداخلَاتِ التي تَتمُّ مِن خِلالِ المُقَاطَعَةِ، وعَادةً مَا تَكونُ عِبَارةً عَن جُملٍ عَاطفيَّةٍ بَسيطَةٍ، مِثل: أُحبُّ وأَكرهُ، وأَطيقُ ولَا أَطيقُ، أَو زِين، و»مُو زِين»، إنَّها كَلِمَاتٌ تُشبهُ بَعضَ كَلِمَاتِ أَغَانِي شعبان عبدالرحيم، «شعبولا»، الذي يَقولُ: «أَنَا بَكْرَه إسرَائيل، وبَحبّ عمرو موسى»..!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَولُ: لقَد أَثنَى اللهُ -جَلَّ وعَزَّ- عَلى الذِينَ يَستَمعُونَ إلَى القَولِ؛ فيتَّبعُونَ أَحسَنَهُ، لِذَلكَ مَا أَجملنَا حِينَ نَتحلَّى بحُسنِ الاستمَاعِ، وهَذِهِ مِن صِفَاتِ الجَليسِ الجَيِّدِ، وشُكرًا للشَّاعرِ «إيليا أبو ماضي» الذي قَال:إنَّ بَعضَ القَولِ فَنٌّفاجعَل الإصغَاءَ فَنًّا!
©