الزمن يعصف بالثابت ويقتلع النابت
أَكثَر مِن مَرَّة كَتَبتُ عَن «الثَّوابِت»، وضَرورة إعَادة النَّظر فِيهَا، وفِي مَفهومهَا وتَحديدهَا، حَتَّى تَستجيب إلَى مجريَات العَصْر، ولَا يَعني هَذا تَمييع النَّص الدِّيني، بَل النَّظر إليهِ وتَكييفه وفق القَواعِد الفِقهيَّة، التي تَنطلَق مِن أصُول الفِقه، تِلك الأصُول التي تَمتَاز بالمرونَة، وبالنَّظَر إلَى كُليَّات الحَدَث، ولَيس إلَى جُزئيَّات المَسأَلَة..!الطَّلاق والخُلع مِن الثَّوابِت الدِّينيَّة، ومَع هَذَا يَجري عَليهَا الاختلَاف، وتَتبَاين المُجتمعَات فِي تَطبيقها، وهَذا أَكبَر دَليل عَلى مرُونة النَّص الدِّيني، إزَاء مَا يُسمَّى بـ»الثَّوابِت».. وحَتَّى أُعطي دَليلًا عَلى هَذا الكَلَام، دَعونَا نَعود إلَى كِتَاب «أَحَاديث الدِّين والدُّنيَا - الوَاقِع المفارق للنَّص الدِّيني»، للدّكتور «أحمد البغدادي»، حَيثُ يَقول: (قَضَايَا الأحوَال الشَّخصيَّة -خَاصَّة المَواريث- لَا تَتَّسمُ بالثَّبَات، عَلى الرَّغم مِن تَفصيلَاتها الطَّويلَة، الوَّارِدَة فِي القُرآن الكَريم، حَيثُ أَدَّت اختلَافات التَّفاسير لبَعض الآيَات؛ إلَى الاختِلَاف فِي التَّطبيق، وحَتَّى أَنوَاع الزَّواج مُختَلَف حَولها بَين المَذَاهِب، بَل إنَّ الدّول الإسلَاميَّة؛ لَا يَجمعها قَانون وَاحِد للأحوَال الشَّخصيَّة، فمَا يَتم تَطبيقه فِي بَلدٍ، قَد يُرفض فِي بَلدٍ آخَر، بَل إنَّ قَانون الأحوَال الشَّخصيَّة نَفسه، يَعتَمد تَشريعه عَلى نَظرة المُجتَمَع للمَرأة، فالقَانون المِصري يُوجد فِيهِ قَانون للخُلع، فِي حِين أَنَّ البَرلمَان الأُردني رَفَضَ إقرَاره أَوَّل الأَمر، ثُمَّ وَافَق عَليهِ بَعد جِدَال مَع الحكومَة هُناك، ولَو كَان أَصل هَذا الأَمر «ثَابِتًا» بالإسلَام، كَيف يُمكن تَفسير قبُول طَرف لَه، ورَفض الطَّرف الآخَر؟، عِلمًا بأنَّ الخُلع أَمر مُقرَّر فِي الشَّريعة الإسلَاميَّة، لَكن تَغيُّر الأحوَال مِن مُجتمعٍ إلَى مُجمتع، هو الذي أَطَاح بمَسألة «الثَّوابِت» جَانبًا)..!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: إنَّها الثَّوابِت يَا قَوم، تِلك التي ظَنَنَا أَنَّها مُحصَّنة مِن التَّغيير، وإذَا بسُنن الحيَاة ومُعطيات الوَاقِع تُخبرنا: بأنَّ مَا كَان بالأَمس مِن الثَّوَابِت، صَار اليَوم مِن المُتغيِّرَات..!!
©