على قدر المشيئات تأتي المشيات
تُعرَف الشّعُوب مِن أَلوَانِهَا، وأَحيَانًا مِن لُغتِهَا، وأَحيَانًا مِن أَشكَالِهَا، وأَحيَانًا مِن سلُوكيَّاتِهَا.. ولَكن الشّيء الغَريب أَنْ تُعرَف الشّعُوب مِن مَشيتِهَا..!نَعَم، مِن المُمكن أَنْ نُفرِّق بَين مَشية الرَّجُل، ومَشية المَرأَة، وقَد استَرسَل الشُّعرَاء -أَصحَاب العيُون الزَّائِغَة- فِي وَصْف بَعض المَشيَات النِّسَائيَّة، مِثل الشَّاعِر «عنترة بن شداد» حِينَ قَال:تَمشِي وَتُرفِلُ فِي الثِّيابِ كَأَنَّهاغُصنٌ تَرنَّحَ فِي نقًا رجاجِحفَّتْ بِهن مَناصلٌ وذَوابلٌومَشَتْ بِهنَّ ذَواملٌ ونَواجِ!!ولَا أَدري كَيف رَأَى الشَّاعَر «الأَعمَى» الأَعشَى، مَشية حَبيبته، حِينَ قَال فِي مُعلّقته:غَرّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقُولٌ عَوَارِضُهاتَمشِي الهُوَينا كما يَمشِي الوَجي الوَحِلُكَأنّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جارَتِهَامرّ السّحابة ِلا ريثٌ ولا عجلُ!!وهُنَاك مَشية التَّدلُّل، ومَشية التَّخضُّع والتَّكسُّر، وعِند الإنجليز هُنَاك مَشية القطَّة Catwalk..!كَمَا أَنَّ هُنَاك فَرقًا كَبيرًا بَين مَشية رَجُل الأَعمَال، ومَشية الحَمَّال «العَتَّال»، فالأوَّل وَاثق الخُطْوَة يَمشي مَلِكًَا، والآخَر وَاهِن الحُظْوَة يَمشي مُنحنيًا..!وتَقول العَرَب: «مَشَى مَشية الخَائِف»، و»مَشَى مَشية المُتكبِّر»، و»مَشَى مَشية المُتسَائِل»، و»مَشَى مَشية الحَيرَان»، و»مَشَى مَشية الذَّاهِل».. إلَى غَير ذَلك مِن أَنوَاع المَشيَات الكَثيرَة، المَبثُوثَة فِي كُتب التُّرَاث، وفِي الآدَاب العَالميَّة..!كُلُّ هَذه المَشيَات أَعرفُهَا وأُدركُهَا، وسَمعتُ عَنهَا، ولَكن مَا كَان مُفَاجَأة لِي هو «مَشية المِصريين»، حَيثُ قَبضتُ عَليهَا فِي كِتَاب أُستَاذنا، الأَديب المِصري الكَبير «أحمد رجب»: «نِصف كَلِمَة»، حَيثُ يقول: (أُغنية «يَمشي كَأنَّه مِصري»، التي انتَشَرَت مِن المُحيط إلَى المُحيط، فِي أَمريكَا تَعنِي بالتَّأكيد أَنَّ المِصري لَه مَشية خَاصَّة، أَقرَب إلَى الرَّقص الإيقَاعي، عِندَما يَخطو فِي الشَّوارع، مُتحَاشيًا ومُتخطّيًا الحُفر والنُّقَر والمطبَّات)..!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: إنَّ المِصريين قَومٌ يُحبُّون المَشي، وأَتذكَّر أَنَّ شَيخنا «نجيب محفوظ» –بَعد أَنْ فَازَ بجَائزة نُوبل- تَلقَّى تَهديدَات بالقَتْل، فاتّصل بِهِ أَحد ضُبَّاط الشُّرطَة، عَارِضًا عَليه تَكليف شُرطي لحِمَايته أثنَاء تَحرُّكاته.. فهَل قَبِلَ أَديبنا «نجيب» هَذا العَرْض؟، الجَوَاب فِي مُذكّراته، حَيثُ يَقول: (قُلتُ لضَابط الشُّرطَة مُعتذرًا: «لَو مَشَى وَرَائي حَارِس، فإنَّه هو الذي سيَقتلني، لأنَّني سَوف أُعذّبه بسَبب حُبِّي للمَشي، وسَوف يَضطر للمَشي مَعي يَوميًّا، وبَعد فَترَة سَوف يَضيق بِي ويَقتلني!!»، فضَحِكَ الضَّابِط وتَقبَّل اعتذَارِي).
©