تحذير البرية من عُقَد النفس البشرية
يَتسَاءَل النَّاس: لِمَاذَا يَقلُّ الإبدَاع بَين البَشَر؟، وهَذَا سُؤالٌ كَبير، ومِن حَق كُلّ إنسَانٍ أَنْ يَتلمَّس الإجَابَة عَنه، لأنَّه -فِي النِّهَايَة- سُؤالٌ نَظري يَحتَمل الإجَابَات الكَثيرة، لِذَلك دَعونَا نَشرَح إجَابَة مِن الإجَابَات، التي يَرَى القَلَم أنَّها قَريبَة مِن الصَّوَاب، ولَيست بَعيدَة عَن الوَجَاهَة:يَقضِي مُعظم النَّاس أَكثَر أَوقَاتهم؛ فِي الحِقدِ والحَسَد، والنَّميمَةِ والغيرَة، وكُلُّ هَذه الآفَات وغَيرهَا، مِن مُلوِّثات وعُقَد النَّفس البَشريَّة، التي تُعطِّل وتُعيق، بَل وأَحيَانًا تَشلُّ الإبدَاع، وقَد لَمِسَ ذَلك بوضُوح -لَا يَقبَل الشَّكّ- شَيخنا الدّكتور «علي الوردي» فِي كِتابه: «خَوارِق اللاشعُور»، حِينَ قَال: (إنَّ الفَرد كُلَّما قَلَّت عُقَده النَّفسيَّة، كَان أَقدَر عَلَى الانتفَاع مِن قُوَاه الخَارِقَة، فالفَرد الذي امتَلَأت نَفسه بالعُقَد، والرَّغبَات المَكبوتَة، يَصعب عَليهِ النَّجَاح فِي مُعَاملتهِ مَع النَّاس، ذَلك لأنَّ قُوَاه الخَارِقَة لَا تَكون إذْ ذَاك نَقيَّة، أَو حُرَّة فِي عَملِهَا، فهي قَد تَلتَاثُ وتَختَلط بِمَا يُتَاخمها مِن العُقَد، والعَواطف المَغلُوطَة، وبذَلك يَضيع عَلى صَاحبها مَا تُنتج مِن كَشفٍ مُبدع، أَو إنجَازٍ رَائع..!يُقال إنَّ النَّبي مُحمَّدا - صلّى الله عليه وسلّم- كَان قَوي الفَرَاسَة، يُحسن اختيَار أَصحَابه وأَعوَانه، وهَذا كَان مِن أَسبَاب نَجاحه العَظيم فِي حَيَاتهِ، ويَبدو لِي أَنَّ فَرَاسة نَبيّنا مُحمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- هَذه، كان لها أسبابها، فهو قَد كَان -كَما هو مَعروف عَنه- مِن أُولي النّفُوس الصَّافية المُطمئنَّة، التي لَا تَحمل حِقداً أَو ضَغينَة عَلى أَحَد، وهَذا الصَّفَاء النَّفسَاني؛ قَد أَدَّى بِهِ -بلَا ريب- إلَى حُسن استثمَاره ، فكَشَفَ لَه عَن خَبَايَا طَبَائِع النَّاس).حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: إنَّ التَّرفُّع عَن الأحقَاد والحَسَد والانتقَام، لَا يُولِّد الإبدَاع فَقَط، بَل يُريح النَّفْس، ويُنظِّف الرّوح مِن الدَّاخِل، وفِي ذَلك يَقول الإمَام «الشَّافعي»:لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أحْقِدْ عَلَى أحَدٍأرحتُ نَفسِي مِن هَمِّ العَدَاوَاتِ!
©