مدن تُصدِّر الإبداع.. وأخرى تستورد الأوجاع!
دَائِماً أَسأَل نَفسي: لِمَاذَا يَتكَاثر خرُوج وبرُوز المُميَّزين؛ مِن مَنطقةٍ دُون أُخرَى؟، ومَا السَّبَب الذي يَجعل هَذه التُّربَة، تُرضع أَهلهَا الإبدَاع، ولَا نَجد ذَلك فِي تُربة أُخرَى؟!مِن المَحسُوم فِي حَقَائق الكون، أَنَّ المَكَان لَه تَأثير عَلَى الإنسَان، ونَظريّة المَاء والتُّربَة؛ نَظريَّة ثَابِتَة ومُتدَاولة عِند عُلمَاء الاجتمَاع، وحَتَّى لَا يَكون الكَلَام تَنظِيراً فِي سَاحة المَقَال، دَعوني أَطرَح المِثَال، وهَذا المِثَال لَن يَكون مَحليًّا، نَظراً لحَسَاسية أَهل وسُكَّان بَعض المُدن فِي السّعوديَّة، بَل مِمَّا قَرأته لشَيخِنَا الأَديب «أنيس منصور» -يَرحمه الله- فِي أَحد كُتبه، حِين عَدَّد بَعض المُميَّزين، مِن أَبنَاء مُحَافظة الدَّقهليَّة فِي مِصر، وذَكَرَ مِنهم: (لطفي السيد، وهيكل باشا، وأحمد حسن الزيَّات، والشُّعرَاء: سعيد عبده، وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي، وكامل الشناوي، والهمشري والغمراوي، وعلي باشا مبارك، وأم كلثوم، والسنباطي، والمثَّال محمود مختار، والفَنَّانين: فاتن حمامة، وسهير البابلي، وعادل إمام، ومحمد صبحي، ويونس شلبي، وسعيد عبدالغني، والمخرج حسن الإمام، وأم الأستاذ العقَّاد).. وقَبل أَنْ نَنتَهي مِن الأَسمَاء، يَجب أَنْ نَذكر أَنَّ الأَديب «أنيس منصور» نَفسه، مِن أَبنَاء هَذه المُحَافَظَة..!إنَّ المُتتبّع لسِيرة بَعض المُدن والقُرَى، يَجد أَنَّها أَنجَبَت وخَرَّجت مُميَّزين ومُبدِعين؛ أَكثَر مِن غَيرهَا، فمَا السَّبب فِي ذَلك؟ هَل هو مِن قَبيل: جَاور الذَّكي تُصبح ذَكيًّا؟، أَم: التَصق بالنَّاجحين لتَكون نَاجِحًا؟، أَم أَنَّه سِرٌّ مَخبوء فِي المَاء، أَو فِي التُّربَة، التي لَا تَبوح بأَسرَارِهَا لأَحَد؟!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: إنَّ أَغلَب المُلتقيَات الرِّوائيَّة عِندنَا، تَحمل عنوَان: «عُنصر المَكان أَو عَامِل المَكَان، فِي السَّرديَّات الفُلانيَّة أَو الرِّوَايَات الفُلانيَّة»، ولَكن إذَا قَرَأْتَ هَذه الدِّراسَات، لَن تَجَد أَي سَبَب مُقنِع لعَبقريَّة المَكان، وتَأثيرهَا عَلَى هَذا الرِّوَائي أَو ذَاك، لذَلك، أَتمنَّى أَنْ يَبعَث الله دَارسين وبَاحثين، ليَشرحوا لَنَا؛ كَيف أَنَّ بَعض الأَمَاكِن تَهبُ العَبقريَّة، وبَعضهَا تَخنق الإبدَاع والتَّميُّز!!
©