ليس من الذكاء التعصُّب للآراء!
أَطرَحُ -كغَيري مِن الكُتَّاب- آرَاءً مُختَلفة، قَد تَكون غَريبَة أَحيَانًا، وقَد تَكون صَادِمَة أَحيَانًا أُخَر، لِذَلك يَدخُل النَّاس فِي جَدلٍ حَولهَا، ويُحاولون أَنْ يَجرّوني ويَستَدرجوني إلَى سَاحِة جِدَالِهم، طَالبين إحدَى الحُسنييْن: إمَّا أَنْ يَقتَنعوا برَأيي، أَو أَترَاجع وأَتبنَّى آرَائهم..!ولَكن بَعد التَّأمُّل فِي الحيَاة، والتَّوغُّل فِي قِرَاءة الكُتب، والتَّفكُّر فِي أمُور الدُّنيَا، أَدركتُ أَنَّ مُحَاولة إقنَاع النَّاس؛ بالأفكَار التي تُنَادي بهَا، قَضيَّة تَجلب مِن السَّلبيَّات، أَكثَر مِمَّا تَجلب مِن المَنَافِع، بَل إنَّ مُحَاولة الإقنَاع، تَجعَل الإنسَان يَتمسَّك برَأيه أَكثَر، لأنَّه يَنتَصر لِذَاتهِ، والانتصَار للذَّات، أَهمّ عِنده مِن الانتصَار للحَقِّ والصَّوَاب، أَمَّا الجَدَل، فهو آفة الآفَات، وقَد جَاء فِي القُرآن الكَريم: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)..!إنَّ الطَّريقةَ التي استَخرتُ الله فِيهَا، ثُمَّ بَدأتُ أَنتَهجهَا، فهي طَريقة شَيخنا «أرسطو»: (قُل كَلِمتك وامضِ فِي طَريقك)، وفِي هَذا الصَّدد، أَتذكَّر قصَّة رَمزيَّة تَحمل الكَثير مِن المَعَاني تَقول: (كَانت الشَّمس فِي أَحَد الأيَّام مُشرِقَة. هَبَّت الرِّيح، التي كَانت دَائِمًا تَغَار مِن قوّة الشَّمس، لتَدفع بغِيمةٍ سَودَاء كَثيفَة أَمَام الشَّمس، وتَحجب أَشعّتها، فانزَعَجَت الشَّمس كَثيرًا وقَالت: «لِمَاذا فَعلتِ ذَلك أَيُّتهَا الرِّيح؟، أَنتِ تَعلمين أَنَّ النَّاس يَستَمتعون بنُوري!» قَالت الرِّيح: «ولِمَاذَا تَعتَقدين أَنَّ النَّاس يَأبهون بِكِ»..؟!قَالت الشَّمس: «بالطَّبع هُم يَأبَهون بِي!» قَالت الرِّيح: «فِي الحَقيقَة، أَعتَقد أَنَّهم يَأبَهون بِي أَكثَر مِنكِ». قَالَت الشَّمس: «حَسنًا، أَترين ذَاك الرَّجُل الذي يَمشي هُنَاك؟، أَيمكنك خَلع معطَفه؟» كَانت الرِّيح سَعيدة بهَذه الفُرصَة لإثبَات قَوَّتهَا.. استَجْمَعَتْ أَنفَاسها وبَدَأَت تَنفخ. نَفخَتْ ونَفخَتْ عَلى الرَّجُل المِسكين، وبَدَأ الطَّقس يَبرد مَع هبُوب الرِّيح بقوَّة، فشَدَّ الرَّجُل معطَفه بشِدَّة عَلى جِسمهِ، ليَشعر بالدِّفء.» قَالتْ الرِّيح: «أُوف! سأَخلع عَنه معطَفه».. وبَدَأَت بالنَّفخ بشِدَّة أَكثَر وأَكثَر.. ولَكن، كُلَّما نَفخت أَكثَر، شَعر الرَّجُل بالبَرد أَكثَر، وشَدّ معطَفه عَلى نَفسهِ أَكثَر.. أَخيرًا أَعلَنت الرِّيح هَزيمتهَا، وجَاء دور الشَّمس فبَدأَت تُشرق بهدُوء، وأَصبَح الرَّجُل سَعيدًا بالدِّفء. أَشرَقَت الشَّمس أَكثَر قَليلًا، وقَال الرَّجُل فِي نَفسه: «يَا لِهَذَا الطَّقس الغَريب! فمُنذ لَحظَة كَان البَرد شَديدًا...» وفَكّ أَزرَار معطَفه وتَابع مَسيره.. بَدَأَت الشَّمس تَسطَع بحِدَّة أَكثَر، وبَدَأَ الرَّجُل بالتَّعرُّق قَليلًا. خَلَع معطَفه ووَضعه عَلى كَتفهِ ومَشَى. سَطعت الشَّمس بقوَّة، وأَصبَحَت حَارَّة جِدًّا، وأَصبَح المعطَف مُزعجًا للرَّجُل، فخَلعه كَاملًا، وأَنهَى رِحلته مُرتديًا قَميصه فَقَط)..!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: إنَّ طَرح الآرَاء وتَركها تَتسلَّل إلَى أَذهَانِ النَّاس، هي أَفضَل طَريقَة لنَشر الأفكَار، مِثلَمَا فَعل صَاحب المعطَف حِين أَشرَقَت الشَّمس عَليه، وأَتذكَّر أَنَّني قَدَّمتُ أَكثَر مِن (60) حَلقَة، مِن برنَامج «الميدَان»، الذي يُشبه نَوعًا مَا الاتِّجَاه المُعَاكِس، ولَكن بمَوضوعَات تَحمل طَابع الخِلَاف فِي القَضَايَا الفِقهيَّة.. لقَد تَجَادَل المُتجَادلون طُوَال تِلك الحَلقَات، ولَا أَعتَقد أَنَّ أَحَدًا مِنهما أَقنَع الآخَر، بَل لَا أُبَالِغ إذَا قُلتُ إنَّ أَكثَرهم خَرَج مِن الاستديو، وهو أَكثَر تَمسُّكًا بآَرَائِه..!!
©