هزيمة النفس شديدة البأس
النَّاس عَادةً يُكَافِحون الأَمرَاض الظَّاهِرَة؛ مِثل الزُّكَام والصُّدَاع والمَغَص، وأَحيَانًا يُعَالجون الأَمرَاض المَعنويَّة؛ مِثل الحَسَد والتَّشَاؤم والسَّلبيَّة والاكتِئَاب.. ولَكنَّهم فِي غُمرة هَذه المُعَالَجَات، وفِي زَحمة الحيَاة، يَنسُون بَعض الأَمرَاض، التي لَا يَعرفها إلَّا مَن تَأمَّل الوَاقِع، وقَرَأ الوَقَائِع..!إنَّ المَرَض الذي أُحاول أَنْ أَبتَعد عَنه هو «التَّبرير»، والبَحث عَن الأَعذَار، لأنَّ الأَعذَار تُصيب عَمَل الإنسَان بالتَّسوُّس، مِثلَمَا يَنخر السّوس فِي الأَسنَان والعِظَام.. ومُشكلة الأَعذَار والتَّبريرَات؛ أَنَّها تَجعل الإنسَان يَهرب مِن مُحاسبةِ ذَاته، ومُحَاكمة أَخطَائه، لذَلك هو يَبحَث عَن التَّبرير والعُذر، ويَجعلهما شَمَّاعة تَحمل أَخطَاءه، بَدَل أَنْ يَتحمَّل هو مَسؤوليّتها..!نَسمع كَثيرًا مَن يَتعذَّر بالظّروف، وهُنَاك مَن يَتعذَّر بالنَّصيب، وهُنَاك مَن يَتعذَّر بسُوء الحَظّ، وخَامس يَتعذَّر بضِيق الوَقت، وسَادس يَتعذَّر بالزِّحَام، وأَغرَب مِن هَذا كُلّه، مَن يَتعذَّر باتِّجاه الرّيح، وذَلك حِين سَألتُ صَديقي: «لِمَاذَا هُزِم فَريقك المُفضَّل»؟، فقَال: «إنَّ اتِّجَاه الرّيح كَان ضِدّ سَفينة فَريقي»..!إنَّ الإنسَان إذَا تَعوَّد عَلَى صنَاعةِ الأَعذَار، وخَلْق التَّبريرَات، سيَتنَاقص نَشاطه يَومًا بَعد يَوم، وستَكثُر أَعذَاره يَومًا بَعد يَوم، ومِن الغَريب والعَجيب؛ أَنَّ الإنسَان سيَجد عُذرًا لكُلِّ حَمَاقَة يُمَارسها، أَو تَقصير يَرتكبه، وقَد أُعجبتُ بقَومٍ كَثيرين، حِين اعتَرفُوا بأَخطَائِهم، ولَم يَبحَثُوا عَن الأَعذَار والتَّبريرَات، وإذَا نَسيتُ، فلَن أَنسَى مَقولة شَيخنَا «نَابليون»، حِين سُئل عَن سَبَب خِسَارة إِحدَى مَعَاركه، فأَجَاب قَائِلًا: (لَا أَحَد سِوَاي مَسؤول عَن هَزيمتي، لقَد كُنتُ أَنَا أَعظَم عَدوّ لنَفسي)..!وعَلَى لِسَان نَابليون يُمكن القَول: إنَّ أَي إنسَان يَبحَث عَن الأَعذَار، هو عَدوّ لنَفسه..!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: إنَّني عَاهدتُ نَفسي عَلى تَطليق الأَعذَار بالثَّلاثَة، أَمَّا خَلْق التَّبريرَات، فقَد حَرَّمتُها عَلى نَفسي، ولَا أَستَخدمها إلَّا فِي أَضيق الحَالَات، مَع أَنَّني لَا أُخفيكم أَنَّ استخدَام الأَعذَار؛ وركُوب موجة التَّبريرات، يُريح النَّفس ويُسعد الخَاطِر، ويَجعل الإنسَان يَتخلَّص مِن مُحَاكمة نَفسه، ومُساءلة أَخطَائه..!!
©