المقارنات تفسد الملذات!!
المُقَارَنَات - وفِي رِوَايَة المُوَازَنَات - فِي الغَالِب تَقتل لَذّة الاستمتَاع بالأَشيَاءِ الجَديدَة؛ لأنَّ الإنسَانَ مُعتَاد - دَائِمًا - عَلَى قِيَاس مَا لَا يَعرفه، عَلَى مَا يَعرفه، فمَثلًا إذَا ذَهب إلَى مَدينة لَا يَعرفهَا، قَارن بَينهَا وبَين المَدينَة التي عَاشَ فِيهَا، وهَذا القِيَاس يَجعَل الإنسَان يَحرم نَفسه؛ مِن زَوَايَا أُخرَى يُمكن مُشَاهدتهَا، لَو حَاول التَّخلِّي عَن المُوَازَنَات والمُقَارَنَات..!إنَّ لكُلِّ مَدينَةٍ شَخصيّتها، والنَّاس تُعجَبُ بخَلَاعة بَاريس، ونِظَام لَندن، وعَشوَائيَّة القَاهِرَة، ومِن الحَمَاقَة مُقَارنة هَذه المُدن الثَّلاث ببَعضهَا؛ لأنَّ النِّظَام فِي لَندن لَه ثَمَن، وهو غَلَاء المَعيشَة، والعَشوائيَّة فِي القَاهِرَة لَهَا مِيزَة، وهي رُخص المَعيشَة، وهَكَذا..!وطَالَما نَحنُ فِي سِيرة المُدن، فدَعونَا نُقرِّب الصّورَة ونَنقِل المُقَارنَة إلَى مُلعبِ النِّسَاء، وقَد قَالوا: إنَّ المُدن كالنِّسَاء، وآفَة النَّاس دَائِمًا تَكمُن فِي المُقَارَنَات والمُوازَنَات..!تَقول الكُتب: «إنَّ الشَّاعِر الأَخطَل تُوفِّيت زَوجته، وحِين تَزوَّج امرَأة أُخرَى، بَدَأَ يُقَارن ويُوازن بَينهَا وبَين زَوجته الأُولَى، وهَذه المُقَارنة جَعلته يَكتوي بالنَّار، ويَحرم نَفسه مِن لَذّة الاستمتَاع بمَزايَا الزّوجَة الجَديدَة، والمُصيبَة أَنَّ زَوجته الجَديدَة أَرمَلَة، وكَانَت تُقَارن أَيضًا بَينه وبَين زَوجهَا «الرَّاحِل»؛ لذَلك خَلّد الشَّاعِر تِلك المُفَارَقَة ببَيتيْن، يَقول فِيهمَا:كِلَانَا عَلَى هَمٍّ يَبيتُكَأنَّمَابِجَنبيْه مَن مَسِّ الفرَاشِ قرُوحُعَلَى زَوجهَا المَاضِي تَنوحُوإنَّنيعَلَى زَوجتي الأُخرَى كَذلِكَ أَنوحُ».لقَد انتبَه إلَى هَذه المُوَازنَة شَاعِر عَامِّي، واقتنَع بعَدَم الزَّوَاج بَعد مَوت زَوجته، حَتَّى لَا يَقَع فِي فَخِّ المُقَارنَات، ولَكنّه اضطرّ للزَّوَاج، حَتَّى يُوفِّر امرَأة تَحمي أَطفَاله، «بزورته»، وقَد خَلّد التُّرَاث ذَلك بأَبيَاتٍ - تُنسَب إمَّا للشَّاعِر «نمر بن عدوان»، أَو للشَّاعِر «محمد بن مسلّم» - تَقول:قَالُوا تَزوَّج وانسَ لَامَابلَامَاتَرَا العَذَارَى عَن بَعضهميَسلُّونوالله لَولا هالبزُوراليَتَامَاوأَخَاف عَليهم مِن السّكةِ يَضيعونلَا أَقُول كُلّ البيض عقبهحَرَامَاواصبر كَمَا يَصبر عَلَى الحَبْسِمَسجُونحًسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: مُنذ بِدَاية عَلَاقتي بالثَّقَافَة والمَعرفَة، أَدركتُ أَنَّ المُقَارَنَات - فِي غَالبِ الأَحيَان - تُفسد لَذّة الأَشيَاء؛ لذَلك أَزُور الرِّيَاض بنَكهة الرِّيَاضَة الحَافِلَة بالخزَامى، والنَّفل والصَّحَاري، وخُضرة روضة خريم، وأَسكُن فِي جدَّة، وأَستَمْتِع بالبَحر والتَّنوُّع، ووجُود فَريق الاتّحَاد، وهَكَذا هِي جدَّة «تَنوُّع وإتِّي وبَحر»..!!
©