أعيدوني إلى مدرستي لأزيد مخزون أسئلتي
يَقول الشَّاعِر الرَّوعَة «نزار قبّاني» -رَحمه الله- حِين عَاد إلَى دِمشق؛ بَعد غِيَاب طَويل:فَرشتُ فَوقَ ثُراكِ الطَّاهِـرِ الهُدُبـافيَا دِمشـقُ... لِمَاذَا نَبـَدأ العَتبَـا؟حَبيبتي أَنـتِ... فاستَلقي كأُغنيـةٍعَلَى ذِرَاعي، ولَا تَستَوضحي السَّببَاحُبِّي هُـنَا.. وحَبيبَاتِي ولـدنَ هُـنَافمَـن يُعيـدُ لِيَ العُمرَ الذي ذَهَبَا؟أَنتِ النِّساءُ جَميعاً.. مَا مِن امـرَأةٍأَحببتُ بَعدك..ِ إلَّا خلتُها كَـذباًيَا شَامُ، إنَّ جِرَاحي لَا ضفَافَ لَهَافامْسَحي عَن جِبيني الحُزنَ والتَّعبَاوأَرجعيني إلَى أَسـوَارِ مَدرسـتيوأَرجعي الحِبرَ والطّبشورَ والكُتبَا!أَرجوكم تَوقَّفوا عِند آخَر بَيت، حِين طَلَب شَاعِرنا «نزار» الرّجُوع إلَى أَسوَار المَدرسَة، مِن أَجل استعَادة الطّفولَة، ونَبش صَندوق الذِّكريَات البَريئَة..!«أَنَا» مِثل شَيخي «نزار»، أَتَّفق مَعه فِي الأُمنية، وأَختَلف مَعه فِي الهَدَف، فهو يُريد أَنْ يَعود طَالِباً؛ لكَي يَستَعيد ذِكريَاته، أَمَّا «أَنَا»، فأَتمنَّى العَودَة إلَى مَقَاعِد الدَّرس، وصفُوف الطُّلَّاب، لَيس مِن أَجل استَعَادة الذِّكريَات، وإنَّمَا مِن أَجل الاستزَادَة مِن العِلم، وطَرح الأَسئِلَة، والبَحث عَن الإجَابَات..!بَعد أَنْ يَتخرّج الطَّالب، يَستَثقل أَنْ يَسأَل، ويَصعب عَليه طَرح الاستفهَامَات، لسَببيْن: السَّبَب الأوّل، أَنَّه يَخجل مِن السُّؤال أَمَام النَّاس، لأنَّهم يَرونه أُستَاذاً يُوزِّع العِلْم ولَا يَطلبه، أَمَّا السَّبَب الآخَر فيَرجع إلَى ذَات المُدرِّس، الذي أَكل «مَقلَباً» فِي نَفسه، فصَدّق أَنَّه أُستَاذ، وعَاش الدّور، وتَلبّسه الوَهم، وأَصبَح يَتعَالَى عَلَى الأَسئِلَة، ويَتوهّم أنَّه يَملك كُلّ الإجَابَات..!فِي تُراثِنَا مَقولة خَطيرة لسيّدنا «عمر بن الخطّاب» -رَضي الله عَنه- يَقول فِيهَا: (تَفقّهوا قَبل أَنْ تُسَوَّدوا)، والمَعنَى أَنَّ الإنسَان يَجب أَنْ يَطلب العِلم ويَتفقّه، قَبل أَنْ «يَسوّد»، أَي يُصبح سيّداً جَديراً بالمَنصب، لأنَّه بَعد تَولّي المَنصب، يَصعب عَليه النّزول إلَى مَنطقةِ السُّؤَال، أَو التَّنَازُل عَن بُرج الإدَارَة والإمَارَة..!يَا إلَهي، كَيف غَابت عَنِّي هَذه المَقولَة عَشرَات السِّنين، ولَم أَنتَبه إليهَا، إلَّا بَعد أَنْ تَخرَّجتُ مِن الجَامِعَة؟، رَغم أَنِّي لَم أَتورّع عَن طَرح الأَسئِلَة، حَتَّى يَوم النَّاس هَذَا..؟!حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!بَقي القَول: إنَّني أُوصي نَفسي دَائِماً بطَلب العِلْم، والغَريب أَنَّ الإنسَان كُلَّمَا ازدَاد عِلماً، اكتَشف كميّة الجَهل الذي كَان يَعيش فِيهِ..!إنَّني مَازلتُ أَطلب العِلم، ولَم أُعانِ ممَّا عَانَى مِنه شَاعرنا «أحمد الصافي النجفي»، حِين أَصبَح أُستَاذاً فزَاد جَهَالَة، حَتَّى قَال:أَصبَحتُ أُستَاذاً فزِدتُ جَهَالَةًفلقَد فَقدتُ تَواضُع التّلميذِ!!!
©